الصفحة 18 من 40

وإذا كان أبو تمام قد تبرأ من الاقتداء بمسعود هذا، فإنه لم يتبرأ من طائيته وموطنه الأول - جاسم - الذي خرج إلى الدنيا على أرضه، فكان مسقط رأسه، ومن ثمة هو حبه الأول، وحنينه الأبدي الذي يفيء إليه كلما تغربت به الأسفار، يقول [1] [كامل] :

الْبَيْنُ جَرَّعَنِي نَقِيعَ الْحَنْظَلِ ... وَالْبَيْنُ أَثْكَلَنِي وَإِنْ لَمْ أُثْكَلِ

مَا حَسْرَتِي أَنْ كِدْتُ أَقْضِي إِنَّمَا ... حَسَرَاتُ نَفْسِي أَنَّنِي لَمْ أَفْعَلِ

نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الْهَوَى ... مَا الحُبُّ إِلاَّ لِلْحَبِيبِ الأَوَّلِ

كَمْ مَنْزِلٍ فِي الأَرْضِ يَأْلَفُهُ الْفَتَى ... وَحَنِينُهُ أَبَدًا لأَِوَّلِ مَنْزِل

أَترى مثل هذا الشاعر يتحدث عن أول منزل عرفه هذا الحديث الشجيّ الحزين الممتلئ بمشاعر صادقة نحو مسقط رأسه، وأول منزل ضمته جدرانه، وإذا كانت الحكمة من القوانين الثابتة التي لا تخضع لمنطق العاطفة، أو قانون الذاتية، فإن أبا تمام يضعنا أمام حقيقة مشاعره وصدقها من خلال الحكمة التي تثبت جذورها أمام عوادي الزمن: ما الحب إلا للحبيب الأول، وحنين المرء أبدًا لأول منزل.

وليس أدل على عربيته، وانتسابه إلى العرب من قوله يحن ويشتاق إلى أمه العدوية التي تنتسب إلى قبيلة بني عدي العربية، وهي تشتاق إلى رؤيته، وقد غادر طيئًا إلى مصر فيقول [2] [وافر] :

بِلادٌ أَفْقَدَتْنِيهَا هَنَاتٌ ... يُشَيِّبُ ذِكْرُهَا مَنْ لا يَشِيبُ

وَآثَارٌ مُوَكَّلَةٌ بِأَلاَّ ... يُجَاوِزَ مَا رَقَشْنَ لَهُ عَرِيبُ

وَكَمْ عَدَوِيَّةٍ مِنْ سِرِّ عَمْرٍو ... لَهَا حَسَبٌ إِذَا انْتَسَبَتْ حَسِيبُ

لَهَا مِنْ طَيِّئٍ أُمٌّ حَصَانٌ ... نَجِيبَةُ مَعْشَرٍ وَأَبٌ نَجِيبُ

تَمَنَّى أَنْ يَعُودَ لَهَا حَبِيبٌ ... مُنًى شَطَطًا وَأَيْنَ لَهَا حَبِيبُ

(1) - ديوانه بشرح التبريزي 4/ 253.

(2) - شرح التبريزي لديوان أبي تمام - سابق - 4/ 556 - 557.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت