ولعلنا في هذا المقام نستدعي الخبر المستفيض الذي رواه أبو الحسن علي بن إسماعيل النوبختي [1] عن البحتري وهو ما يؤكد طائية أبي تمام، ومن ثمّ عروبته، فقد دخل البحتري على أبي سعيد محمد بن يوسف وكان قي مجلسه أبو تمام، ولم يكن البحتري قد تعرف به بعد، وأخذ البحتري في إنشاد مدحيته في محمد بن يوسف، تلك المدحية التي أُعجب بها الممدوح أيما إعجاب، ومطلع القصيدة قول البحتري [كامل] [2] :
أَأَفَاقَ صَبٌّ مِنْ هَوًى فَأُفِيقَا ... أَوْ خَانَ عَهْدًا أَوْ أَطَاعَ شَفِيقَا
فادَّعى أبو تمام أن هذا من شعره، ولكن أخذه البحتري وسبق به إلى محمد بن يوسف وحرج موقف البحتري، وقال عن ذلك:"فخرجتُ متحيرًا لا أدري ما أقول، ونويتُ أن أسأل عن الرجل مَنْ هو؟ فما أبعدتُ حتى ردني أبو سعيد، ثم قال: جنيْتُ عليك فاحْتمِل، أتدري مَنْ هذا؟ قلتُ: لا، قال: هذا ابن عمك حبيب بن أوس الطائيّ أبو تمام، فقُمْ إليه، فقمتُ إليه فعانقتُه، ثم أقبل يُقَرِّظُني ويصف شِعري، وقال: إنما مزحتُ معك، فلزمتُه بعد ذلك، وكثُر عُجْبي من سرعة حفظه" [3] وهذه رواية أبي بكر الصولي في أخبار أبي تمام، وقريب منها ما رواه الأصفهاني في حديثه عن البحتري من حكايتين قريبتين في الدلالة واللفظ وقد جمع بينهما الأصفهاني لهذا القرب، إحداهما عن أبي الغوث بن البحتري، والأخرى عن علي بن العباس النوبختي عن البحتري [4] .
وقد روى الآمدي [ت 37. هـ] خبر تعارفهما من طريق آخر لا يخلو من غموض واختلاف نراه في قول الآمدي:"وقد أخبرني أنا رجل من أهل الجزيرة يكنى أبا الوضاح - وكان عالمًا"
(1) - علي بن العباس النوبختي، وليس ابن إسماعيل، روى عن البحتري وابن الرومي، وتوفي في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، أو أربع وعشرين وثلاثمائة عن عمر يقارب الثمانين عامًا. انظر: الذهبي تاريخ الإسلام - سابق - 7/ 537 - وانظر منه هامش ص 497.
(2) - البحتري: ديوانه - تحقيق حسن كامل الصيرفي 3/ 1446 - ط 3/ 1977 م - دار المعارف.
(3) - الصولي: أخبار أبي تمام - سابق - ص 1.5 - 1.6.
(4) - الأصفهاني: كتاب الأغاني - سابق - 21/ 34 - 35.