إلى أين يذهب؟
راح هذا السؤال المعقد يصول في ذهنه وهو يضرب الأحجار الصغيرة في رفق إضطرارى ولطف مغيظ خوفا من أن يتفتت حذاؤه العتيد الأوحد، لاهيا عما حوله، يبتعد بحزن كظيم عن أسوار مدرسته الحبيبة ويدعو الارض ان تبتلعه بهذا اللحن المرتجل الذى طفق يدمدم به من بين شفتين مطبقتين دون أن يشعر والذى لو صيغت نغماته الحيرى صياغة فنية سليمة، لعبر بصدق مأساوى عن الآم البشرية كلها وهى تفقد رجلا عزيزا أو تودع الى غير رجعة معنى كبيرا من معانى السلام.
وشأن الصمت الصبور الذى يعقب ذلك وقتا قد يطول أو يقصر إحتبس الصوت الخافت في حلقة وغارت نغمات المرح البائس في جب الاعماق الغائر لما راغ السوال؟ إلى أين يذهب؟"فى رأسه الصغيرة ثانية."
فكر أولا في أن يؤوب لبيته بأسرع ما يستطيع ويخبر أمه بما حدث باحثا في ثنايا صدرها الحانى عن حل يفكك له العقد التى عقد بها الرجل الغريب سبيلة فتسارعت لذلك خطواته لهفة ثم تباطأت بغته لما تذكر أنه لن يجد والدته في البيت الآن، فهذا هو وقت العمل الذى تختلف فيه الى بعض البيوت الموسرة لأداء خدماتها الصغيرة إلتقاطا لقوته وقوتها، ذلك الذى تحصل عليه بإلتهاب الأيدى، فتقهقرت الفكرة الى ركن وتقدمت حوافر السؤال تدق بسنانها رأسه مرة اخرى.
وفكر ثانيا - وما أسرع ما كان يفكر - في ان ينقلب الى حيث مدرسته ويطالب البواب العجوز بأن يسمح له - بحق الصداقة - بالدخول، وهو يدرك أنه لن يمانع إلا أنه سيحتفظ بحق الصداقة هذا لنفسه ويضرب في أسراره الخاصة متسائلا عما أخره في المجئ .. هل قامت قائمة القيامة؟! بل أنى لأى عاقل أن يصدقنى .. أخبره فينتشر الخبر ويظن الجميع الظنون ويتقول على زملائى ساخرين من ضعف حيلتى ويتفكهون بى قائلين مثلا: الفتى يكذب تبريرا لذنبه"أو"الفتى النابه بدأ يحلم أحلاما مروعة .. الدعى يبغى أن نصدق أحلامه والواقع ان مسأله الحلم تلك أصبحت تروق له، وانبثقت فيه كل الدوافع الكافية لإقناعه بها وتساءل: لم لا يكون حلما ما حدث؟ .. إن شخصية الرجل بأنواره المبهمة! وألوانه القاتمة