-ولا أقول لك .. نتحدث في الطريق أحسن .. !
تجاورا في صمت وتسايرا كتفا بكتف، فساقتهما أرجلهما صدفة الى الحديقة العامة بالمدينة .. أو بمعنى أدق إحدى الحدائق العامة .. فدخلاها .. لم يقصدا أن يجيلا النظر فيها كمن يبحث عن شئ بعينه لحظة دخولهما، ومع ذلك لاحظا أنها خالية إلا من بعض العجائز الذين يعتمدون بدقون رخوه جافة فوق أيد معروقة شاحبة تقبض في تراخ على العكاز آخر رفقاء العمر وأعينهم تحدق في لا منظور الذكريات .. ثم غير العشب والأشجار .. لم يكن لأحد وجود يرى .. غير الفراغ غير المرئى .. ولم يكن لصوت العصافير وجود يسمع .. غير صوت السكون اللا مسموع! ..
ثم بغته دبت الحركة في موات النظرة الثابته التى ركزها العجائز على منظور الماضى فارتجفت أجفان اليقظة وتصاعدت أنفاسهم طويلة متراخية، واهتز الفراغ حول أجسادهم المتداعية .. وتمزق إملود الصمت إذ قال رجل عجوز يجالس إمرأه تقاربه في السن بصوت بدا رغم إنخفاضة عاليا يصدح في خواء المكان:
-هو أمر لا غرابة فيه .. شئ طبيعى بالنسبة لهم .. ومع ذلك كان الوادى يسمى بالأمس وادى
بيسان ..
ولم يفصح العجوز بأكثر من هذا إقتصادا في الكلام، ولوحدة الموضوع الذى يشترك في التفكير فيه مع رفيقة عمره التى إنحدرت دمعتان على وجنتيها المتجعدتين وتمتمت:
-وكنا وحيدين تماما .. ابن في الجيش بعيد .. والآخر في بيارات البرتقال ..
وأمن الرجل على قولها في سماحة وعطف بإيماءة من رأسه ثم قال في طرب حزين وهو يغمض عينيه نصف إغماضة:
-ثم بعدئذ .. آه .. لكم قلبوا الأشياء رأسا على عقب .. !
ثم زفر زفرة حارة وأطرق برأسه وصمت .. وفعلت المراة مثلة وصمتت .. وفى نفس اللحظة وعلى نحو مباغت أطرقت بقية الرءووس وهبط على الجميع سكون وكآبه لاحد لهما وكأنهم على مشارف الموت ..