الصفحة 9 من 22

يبدو من عميق دراسة نفسية المتنبي أنه لم يكن سيِّئ الذوق، بل كان يقرض مثل هذه الأبيات بوعي منه وشعور، ولا يعتني بالقرَّاء والحضَرة [1] .

جرَّني الحديث إلى موضوع آخر؛ فلقد كنت أتحدَّث عن إبداع المتنبي، وأقرأ بيتًا لأبي تمام يقول فيه:

ولو لم يكن في كفِّه غيرُ نفسِه = لجاد بها فليتَّقِ الله سائلُهْ

أي: الممدوح جوَادٌ إلى حدِّ أنَّه يهَب نفسه إذا لم يجد شيئًا للإنفاق، فليتق السائلُ اللهَ ولا يسأله شيئًا.

بينما يقول المتنبي:

يا أيها المُجدى عليه روحُهُ = إذ ليس يأتيه لها استجداءُ

احمَد عُفاتك لا فُجِعتَ بفَقدهم = فلَتَرك ما لم يأخذوا إعطاءُ

لقد أبدع المتنبي معنًى غريبًا؛ ففي البيت الأول ذكر العطاء العامَّ الذي ينتهي إلى وهب النفس، ثم يبدو من البيت الثاني أنَّ السائلين يحبُّهم الممدوح إلى حدِّ أنه يهتمُّ ويحزن إذا لم يزوروه، فأرى أنه نهاية في التعبير عن الجود والسخاء؛ فلم يبلغه شاعرٌ غيره من شعراء العربية؛ فعجُزُ البيت الثاني إعجازٌ في شكل الشعر حيثُ أورد معاني كثيرة بكلمات سهلة موجزة؛ أي كلما تركه السائلون فهو عطاءٌ لك من قبلهم؛ فلقد كان المتنبي قرأ كافة التعابير التي استخدمها القدامى، ومن ثمَّ أبدع شيئًا جديدًا وهذا هو ميزة المتنبي.

يذكر شاعرٌ عربيٌّ نحافته لأجل همِّه اللاحق به من العشق، فيقول:

ذاب فلو زُجَّ بجُسمانهِ = في ناظر الوَسنانِ لم ينتَبِهْ

بيَّن المتنبي هذا المعنى كما يلي:

(1) مدافعًا عن المتنبي في كتابه الشهير"الوسَاطة بين المتنبي وخصومه"؛ نقل القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني أبياتًا لحميد بن ثور وطرَح سؤالًا: إذا كانت تلك الأبيات مقبولة في السمانة، فلِم لا نقبل أبيات المتنبي هذه؟! ولكن القاضي قد نسي تمامًا أنَّ حميد بن ثور قد قرض تلك الأبيات في هجو السمانة، بينما المتنبي كتبها في مدحها؛ (الفاروقي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت