كَفى بجسمي نحولًا أنني رجلٌ = لولا مُخاطبتي إياك لم ترَني
فكأنَّ الصوت هو الدليل على وجود الجسد، وإلا فلا.
ويقول في موضع آخر:
ولو قلمٌ أُلقيتُ في شَقِّ رأسه = من السُّقمِ ما غيَّرتُ من خطِّ كاتبِ
وقد ذكر القاضي الجرجانيُّ مئاتٍ من أبياته في"الوساطة"، كما زادها الثعالبي في"يتيمة الدهر"بعدما نقل نظريات ومختارات الجرجاني، فنَقل من أبيات المتنبي ما أصبح مثلًا سائرًا، وكذا قام الدكتور طه حسين بدراسة مشبعة للمتنبي، وتحدَّث عن البواعث الخارجية التي لم يكن بدٌّ من تأثيرها على أشعار المتنبي؛ فكتابه"مع المتنبي"شهير للغاية، لا سيما في إيضاح نفسية الشاعر، والأسباب الخارجية وراء قرضه لقصيدة رائعة، وإشارة موجزة إلى جماله الأدبي، وغيرها من الخصائص والميزات، ولكن نشهد أنَّ كلَّ أديب وناقد من الجرجاني إلى الدكتور طه حسين والعقاد لا يقوم إلا بالدفاع عن المتنبي.
فيقول القاضي الجرجاني:
"وأنت لا تجد لأبي الطيب قصيدةً تخلو من أبيات تُختار، ومَعانٍ تُستفاد، وألفاظٍ تروق وتَعذُب، وإبداع يدلُّ على الفطنة والذكاء، وتصرُّف لا يصدُر إلا عن غزارةٍ واقتدار" [1] .
ويَمضي قائلًا:
"ثم تعدَّيت بهذه السمة إلى جملة شعره، فأسقطت القصيدة من أجل البيت، ونفيت الديوان لأجل القصيدة، وعجلت بالحكم قبل استيفاء الحجة" [2] .
وهذا هو الحق؛ فلا يخلو من العيب أحدٌ من البشر، وقد قام الصاحب بن عبَّاد بتأليف كتاب ضخم في الردِّ على المتنبي باسم"الكشف عن مساوئ المتنبي"، ولكنه مع ذلك أجمعت العرب على أنها لما تلدْ شاعرًا كبيرًا كمثل المتنبي.
(1) الوساطة، ص 55.
(2) المصدر نفسه، ص 77.