وعظمة الغالب الفنية مختلفةٌ في علوٍّ تخيُّلِه وسعَته ودقته، وإدراك أدقِّ الحقائق فيما يتعلق بالحياة والكون، وعرفان نفسية البشرية، والتعبير عن ألوف من هذه التجربات النفسية في قالب شعري عجز عنه الآخرون، وإضافة إلى ذلك يعتبر الغالب من أعظم شعراء العالم من ناحية تنوُّع المعاني في أشعاره، وإمكانيات كثيرة من جهة المعاني في فَهم وتفهيم أشعاره؛ يقول الناقد الفذُّ شمس الرحمن الفاروقي:
"حتى الآن اعتقد أن الغالب ليس من أكبر شعراء العالم فحسب، بل هو فاق مُعظَم فحول شعراء العالم في قَرض الشعر الذي تكثر فيه إمكانيةُ المعاني" [1] .
وكان لدى المتأخرين من شعراء الأوردية مثال ونموذج من شعر الغالب، ولكن لم يستطع أحد منهم أن يقرض ولو غزلية واحدة على طراز الغالب، مستوفية لتلك المكانة الأدبية الفذة، ولو أنَّ الأدب الفارسي قد خلق شعراء فاقوا الغالب في حسن البيان ولطافة الخيال، ولكن لا نجد من بين شعراء العربية من يبلغ شأوَ الغالب في تاريخها الطويل الممتدِّ على خمسة عشر قرنًا.
الشعر يقوم بناؤه على الخيال الذي يبحث عن وسيلة للتعبير عن فكرة تجول في الخاطر، فما كان مدى تفكير الشاعر؛ أي: مدَى تعمُّق مشاهدته وتوسُّعه؟ وإلى أيِّ حقائق وصل هو؟ ثم كيف صوَّر تلك الحقيقة في خياله؟ وأين تقوم وسيلته للتعبير عن تلك الصورة في مجال الأدب؟
فكأنَّ المضمونَ والخيالَ والتعبيرَ أشياءٌ ثلاثة لا يستغني عنها الشعراء، ولو انتموا إلى أي بلد أو وُلدوا في أي زمان، فيمكن لنا أن نقرِّر هذه الأشياء الثلاثة أصولًا مشتركة للمقارنة بين شاعرين من مختلف اللغات.
وقد كتب عن فن الغالب إلى حد يمكن أن نسمِّيه بمكتبة على حدة، ولفَهم فنِّ كلا الشاعرين أبتدئُ بنقل أبياتٍ تتشابه معانيها فيُعيننا تحليلُها في الوصول إلى نتائج لم تعيَّن من قبلُ.
فيقول المتنبي:
وكلُّ طريقٍ أتاه الفتى = على قدَرِ الرِّجلِ فيه الخُطى
(1) تفيهم غالب، ص 23.