الصفحة 12 من 22

أي: يمكن تقديرُ عزيمة الإنسان وعلوِّ همته بأفعاله وأعماله.

يقول الغالب:

توفيق به انداز? همت هے ازل سے = آنكهوں ميں وه قطره هے جو گوهر نه هوا تها

فالتوفيق هو توفُّرُ الأسباب للفعل الذي يريد الإنسان أنْ يقوم به، وهو لا يكون إلا حسب همة الإنسان وعزيمته، هذا هو الواقع، وهو يسري في أمور الدين كما يسري في أمور الدنيا، ومثاله مثال قطرة أنكر علوّ همتها كونها درًّا صُيِّرتْ دمعًا للندامة، وأقيمتْ في العين.

للمتنبي بيت شهير في الافتخار بذاته فهو يقول:

فالخيل والليلُ والبيداء تَعرِفني = والسيفُ والرمح والقرطاسُ والقلمُ

فقد ذكر المتنبي الليل والخيل والبيداء؛ لكثرة السفر، كما اختار السيف والرمح للشجاعة والرجولة، وبيَّن القرطاس والقلم لأجل الشعر والأدب؛ أي: ذكَر صفاته الثلاث في صياغة شعرية جيدة، وفوق ذلك ليست هذه الأوصاف عارضة مؤقتة؛ فهذه المظاهر تعرفه معرفة جيدة مع كونها غير ذات روح وشعور؛ وذلك بكثرة الاستخدام والممارسة، فكأنها علاقة شعورية بين الشاعر وهذه المظاهر، ولو أنَّ الشعر جيد للغاية ولكنه ضيِّقٌ نطاقُه.

فانظر إلى الغالب الذي يخاطب الكون كله، فيلفته إليه ويقول:

جام هر ذره هے سرشار تمنا مجهسے = كس كا دل هوں كه دو عالم سے لگايا هے مجهے

فكأنَّ كلَّ ذرة من الكون كأس هي سكران من خمر، أمنيتها للعلاقة معي، وإني قلبٌ يتعلق بي ذرةُ كلا العالمين، ولكنْ لمن هذا القلب الذي تعلَّق بالعالمين؟ سؤالٌ لا ردَّ عليه!

وهذا مما يَلفت أنظارَنا أنَّ كل مظهر من مظاهر الكون ينجذب ويميل بصفة أودعَت فيه فتفكر تنوُّعَ الصفات التي ادَّعى الغالب باتصافه بها، فيبدو كلٌّ من علوِّ الفكر وسعة الخيال وجمعها في الكلمات المعدودة من بيت الغالب هذا.

يقول المتنبي:

وإذا خَفيتُ على الغبيِّ فعاذرِ = ألاَّ تَراني مقلةٌ عمياءُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت