ما زال المتنبي يشكو معاصريه بجانب شعوره القوي بتفوقه عليهم في الشعر، وفي الشعر المذكور أعلاه ذُكرَتْ نفس الشكوى، وكذا قال الشاعر الفارسي سعدي الشيرازي فأجاد:
گر نه بيند بروز شپره چشم = چشم? آفتاب را چه گناه
لم يُرد المتنبي في هذا البيت من هو غبي في الواقع، ولكنه سخر به الشعراء المعاصرون، أما الغالب فكان على ذروة الأدباء! وكان يعرف تفوقه على المعاصرين من الشعراء كما كان يعرف أن مكانة الشعراء المتقدمين دونه، ولكنه لم يَحقِر أحدًا من المعاصرين أو المتقدمين أبدًا، وكان لا يؤمن بالإيذاء والإهانة، إنه كان يعرف - كما ذكر - قيمته، ولكنه لم يقل: إن الشعراء المعاصرين أغبياء، وإنهم فاقدو البصيرة في نقد الشعر، بدلًا من ذلك إنه جاء بمضمون نادر عمَّ فيه الأغبياء والأذكياء بدون تعيين.
اقرأ بيته التالي فتجد فيه تلك الشكوى الخالية من تحقير الناس، مع أنه أعمُّ مما قاله المتنبي؛ فهو يقول:
آگهى دام شنيدن جسقدر چاهے بچهائے = مدعا عنقا هے اپنے عالم تقرير كا
ترجمة: مهما تفترش اليقظة شبكة الاستماع لا يقع فيها فحوى كلامي، فهو كالعنقاء لا يقع في مثل هذه الشبكات لعلوِّ طيرانه.
تأمَّلْ في ألفاظ البيت؛ فهو مليءٌ بعموم المعنى وسعة الخيال وندرة التعبير، فهل بلغ بيت المتنبي هذه الدرجة العليا من الفن؟!
وبما أنَّ العنقاء طيرٌ مفروض لن يمكن وقوعه في الشبكة، فضبط فحوى عالم الخطاب أمرٌ لا يمكن ولن يمكن.
يقول المتنبي:
يا لائمي كفَّ الملام عن الذي = أضناه طولُ سَقامِه وشقائِه
يلمح من البيت شيء من الترحُّم والتعزِّي، ولا نجد في المعنى شيئًا من الندرة، وقد تناول الغالب هذا المعنى فأخلده؛ فهو يقول:
ضعف ميں طعن? اغيار كا شكوه كيا هے = بات كچه سر تو نهيں هے كه اٹها بهى نه سكوں