الصفحة 8 من 22

يبتدئ شعراء العربية قصائدهم بذِكر ما بقي من ديار الحبيب وذكراها، وإعادة ما جرى معها؛ أبدع امرُؤ القيس هذه الطريقة، ثم تقبَّلَها الشعراء بقَبول حسن، حتى جعلوها فاتحةً لقصائدهم، فما قاله امرؤ القيس في هذا الباب كان مصطبغًا بصبغة الشعر إلى حد لم يبلغه المتأخِّرون من الشعراء؛ في لطافة اللغة، ودقة البيان.

ولننقل بيتين من قصيدته يشتملان على الوقوف بديار الحبيب، والبكاء عليها، والخطاب مع ما بقي من الديار، وطول سلسلة الذكريات القديمة:

وُقوفًا بها صَحبي عليَّ مَطيَّهم = يقولون: لا تَهلِكْ أسًى وتجمَّلِ

وإنَّ شفائي عَبرةٌ مُهَراقةٌ = وهل عند رَسمٍ دارسٍ من معوَّلِ

أي العاشق المارُّ بالديار يبكي ويبكي، وأصحابه يحاولون أنْ يعزُّوه كيلا يُهلِكه الهمُّ والغمُّ، ويصبرَ صبرًا جميلًا، ولكنَّ العاشق يعرف الواقع؛ فهو يقول: لعلَّ مرَضي يُشفى حينما تَصبُّ عيناي الدموع، والحال أنَّ البكاء في هذا الخراب لا يعود بفائدة.

لم يُلغ المتنبي هذا المفهوم، ولكنْ أوجد فيه معنًى لم يخطر ببال القدامى؛ فهو لا يبكي على الخراب، ولا يهتمُّ به على الالتزام، بل يودُّ أن يَسمع ذكريات الماضي وأهالي الديار بلسان الخراب! فهو يكلِّمه، وعندما لا يحور أي ردٍّ منه يغضب قائلًا:

مُلِثَّ القَطرِ أعطِشْها ربوعَا = وإلاَّ فاسقِها السمَّ النَّقيعا

لَحاها الله إلا ماضِيَيها = زمانَ اللَّهو والخودَ الشَّموعا

وبعدما قرض أبياتًا جيدة مليئةً بالتشبيهات النادرة يَسقط كعادته من السماء إلى الأرض؛ فهو يصف جسد الحبيب السمين قائلًا:

ذِراعاها عدُوَّا دُملُجَيها = يظنُّ ضجيعُها الزَّندَ الضَّجيعا

فمن كانت ذراعاها كما وصَف، فماذا يكون إذن جسدُها؟! ومن عجيب الظرافة أنَّ العاشق - على حدِّ قوله - نحيف إلى حدِّ إنْ وقع في فرج لسان القلم فلا يؤثر في تحرير الناسخ! وتخيَّلْ ماذا يحدث به إذا مال إليه الحبيب ولو مرة واحدة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت