استخدمها الشاعر في هذه العملية، فكم من تجربة فكريَّة تخمد في دواخل الشاعر؛ لعدم مقدرته على التعبير المطلوب! فالذي يصلُ من قِبَل الشاعر إلى القارئ ليس إلا مجموعًا للكلمات، فندرس ذلك المجموع ثم نقيِّم به سعة خيال الشاعر وعلوَّ فكره ودقته وخلود الشعر، وحصره في حدود الزمان والمكان، أو تجاوزه تلك الحدود بمجرَّد النظر في طريق تعبيره.
فلأجل نفخ الشعريَّة في طريق التعبير؛ يَستخدم الشاعر عادةً الصنائعَ والبدائع تارة، وأخرى السلاسة والإبهام والإيهام، ولكنَّ الشعر الذي يتمُّ قرضُه عن هذا الطريق لا يبلغُ درجة الشعرية العليا، فلا بدَّ للشعرية العليا من صياغة الخيال في القالب اللفظي؛ بحيث تَثور صورةٌ في ذهن القارئ؛ ولذلك فهو يتوجه إلى الصورة البيانيَّة، أو الكلمات التي تفوق المعاني اللغوية العامة، فتدلُّ هذه الصورة البيانية على سعة خيال الشاعر ودقّته، وعمقه وسحر البيان، ولكني لا أقول: إنّ الصورة البيانية ضرورية للشعر، بل أقول: إنَّ الصورة البيانية نموذجٌ أعلى للصياغة الشعرية، تبرزه استعاراتٌ بديعة.
وإنْ أمعنَّا النظر في كلام المتنبي فيبدو لنا أنَّ الشاعر حادٌّ ذهنُه، ومبدعٌ يبلغ إلى المعاني الدقيقة النادرة، ثم يبيِّنها بأسلوب يملَؤه المهارة، فالكلمات التي يختارها تدلُّ على الشوكة والأدب الأعلى، ولا يترك أسلوبًا لأجل السلاسة، كما لا يَعتني بالصنائع والبدائع كثيرًا، وفكرته عميقة سامية، وملاحظته قوية دقيقة، ويشوب كلامَه الابتكار.
إنه يعرف جيدًا أنه شاعر كبير حتى يحقِّر الآخرين ويذلِّل غيره من شعراء العصور، إنه يستخدم التشبيهات والاستعارات النادرة إلى حد لا يستغني عنه المتأخرون من الشعراء؛ فحين يريد المدح فهو يخلط بالمبالغة ندرةً يَسبق بها من تقدَّمه ومن تأخَّر عنه، وكذا لما يهجو فهو يصمِّم بذهنه الحادِّ المبدع مساوئ المخاطب، ويصوِّر المعايب تصويرًا يغرق البشرية حياء، ويثقل على الذوق السليم التلفظ بتلك الأبيات، وعندما يقرض أبيات النسيب فهو يسبق عمرو بن ربيعة في تصوير الهجر والوصال، وعواقب العشق وسوء حال العاشق.
ولأجل فَهم تفرُّد المتنبي ودرجته في الشعر؛ يَجمُل بنا إجراء دراسة تحليلية موجزة للتراث الشعري لشعراء العرب القدامى، وأساليبهم للتعبير.