الصفحة 6 من 22

ولكنْ لم أجد كتابًا صدر من قلم الهنود تناولَ كلامَه بالبحث والنقد، أما المحاولات المعاصرة في هذا الصدد فنجد فيها قلة التأمل، ويشوبُها المبالغة الشديدة، حتى ادعى بعضهم أنّ كافة شعراء الفارسية مغترفون منه! ولا تسألْ عن الأوردية؛ فهي وليدة الفارسية.

والحق أنهم ما رعَوا المتنبي حق رعايته، ولا درسوا التراث الشعري الأوردي وعالميته، حتى في زماننا بدأ الباحثون يَعتبرون الغالب متنبِّيَ الهند، وهذا ظلمٌ عليه لا يغفر. فنجد أنَّ العالَم العربي لا يعرف الغالب البتَّة؛ فالمقالات المعدودة التي كُتبَتْ بالعربية عن الغالب لا تُلقي على الغالب إلا نظرة عابرة، ومن بين تلك المقالات ما قام بكتابته الأدباء العرب، ولكنْ يبدو من دراستها أنَّ الكاتب لم يفهم حتى أبياته العامة السهلة، وأما الوصول إلى محاسن كلامه فلا نرجوه منهم!

ولكنَّ العرب كتبوا عن المتنبي وكلامه في كل عصورهم، وعلى كافة الجهات، ما لم يكتبوا عن غيره من شعراء العربية، وبدأَتْ هذه السلسلة من مُعاصري المتنبي وهي تستمرُّ حتى الآن، وقد أجمع النقاد والأدباء العرب على أن المتنبي أشعرُ شعراء العربية، وأكبرهم، وكذا تمتع الغالب من القَبول العام في العالم الأوردي، وكتب بها عنه ما لا يحظى به شاعرٌ آخر غير العلاَّمة إقبال، فاعتبروا الغالب أكبر شعراء الأوردية ما سوى الشاعر مير، وفي أيامنا هذه اعترف العالم بأن الغالب شاعرٌ عالمي كبير.

الغالب والمتنبي شاعران كبيران، ولكنَّ هناك تباينًا بين خلفيَّتي كليهما؛ فإن كان الحديث عن فنِّهما فلا بدَّ لنا من الاعتبار بأصول للشعر معترفٍ بها على السواء، يمكن لنا تنفيذها على كِلا الشاعرين.

وفي هذا ينشأ أوَّل سؤال عن ماهية الشعر، ومتى وكيف يصير كلامٌ موزونٌ شعرًا، ولمَ لا يصبح كذلك؟ ثم ما هو السرُّ في عالمية الشعر؟

وقد تحدَّث الناس في كلِّ زمان عن ماهية الشعر، ويجري هذا الحديث مع وجود مختلِف مذاهب الفكر عن الأدب.

وأرى شخصيًّا أنَّ مجموعة كلمات منظومة لا تُثير وجدان القارئ أو السامع؛ فالشاعر يتأثر بآثار الحياة والكون المتنوعة، ثم يبلِّغ ذلك التأثر إلى القارئ في صورة كلمات، والأهم في ذلك النظرُ في مدى فَهم الشاعر لحقيقة الكلمة وتأثره بها، ثم التأمل في وسائل الإبلاغ وأنواعه التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت