يقول المتنبي:
وهكذا كنتُ في أهلي وفي وطَني = إن النَّفيسَ غريبٌ حيثما كانا
أي: لا يعرف الناسُ درجته، ولا يعلمون آلاءه، فأراد الشاعر أنْ يقول: إذا لم يعرفه الأجانب فلا عجب؛ فإنه غير معروف فيما بين أبناء وطنه وأعضاء عشيرته، فاقرأ الشعر وافهم معناه؛ فقد قدَّم الافتخار بنفسه، والشعور الشديد بعلوِّ كعبه في صورة خبر؛ فالنقص في شعر المتنبي أنه يطلب التقدير على أساس معرفة مكانته الأدبية من الأهل؛ يعني الأب والأم، والزوجة والابن والبنت، وإلى غير ذلك من أفراد الأسرة، أو أهل البيت، والحق أن المطلوب منهم فقط الوداد والحبُّ والاعتزاز به، فإن انحصر في أهل الوطن مثل الأجانب لكان معقولًا، وهذه الشكوى عامّة لدى الشعراء العظام في كلِّ عصر ومصر؛ فإنه يشعر بالجهل عن مرتبته، والسبب المعقول وراءه أنَّ الناس لا يصلون إلى ما يصل إليه عقله، فنجد ذِكر الوَحدة والغربة لدى كل شاعر كبير، وقد ذكر الغالب معنى الغربة بأساليبَ عديدة تختلف عن أسلوب المتنبي، فاقرأ ما يلي:
تهى وطن مين شان كيا غالب كه هو غربت مين قدر = بے تكلف هوں وه مشت خس جو گلخن ميں نهيں
ترجمة: متى كان لي شأنٌ وتقدير في الوطن حتى أتوقَّع التكريم في الغربة؟! أنا كالحشيش المتبسط الذي ليس في الفرن (يعني عند موقد النار الذي يعتبر كوطنه) ، تذروه الرياح من مكان إلى مكان.