وهاجي نفسِه مَن لم يميِّزْ = كلامي مِن كلامِهمُ الهُراءِ
أي: من لا يَقدِر على التمييز بين كلامي وكلام غيري من الشعراء؛ فكأنه يهجو نفسه؛ أي: هذا بعيدٌ عن الذوق السليم، فكأنه يُقرُّ بفساد ذوقه وقلة مائه، قرَض المتنبِّي أبياتًا عديدة في هذا المعنى؛ فقد هَزِئَ بمعاصريه مرة، كما عارض القدامى مرة أخرى، فهو يقول في مكان:
وما الدَّهرُ إلا مِن رُواةِ قصائدي = إذا قلتُ شِعرًا أصبح الدهرُ مُنشِدَا
فكلا بيتَيِ المتنبي أجود، ويعدُّ من أبياته الرائعة، ولكنهما ينمَّان عن تحقير الآخرين، بل هو أساس الشعر.
وفي الجانب الآخر؛ يَعرف الغالب منزلتَه في مجال الشعر، وهو أيضًا كان يَعرف الآخرين وعجزهم عن وصول مكانته، وكذا اتُّهم الغالب بسرقة المعاني، ولكنه لم يأت بأدنى تحامل أو شدةٍ في لهجته أبدًا، فبدلًا من تحقير الآخرين يخلق معنًى آخر لطيفًا يختصُّ به، فهو يقول:
مبر گمان توارد به شعر من كه دزد = متاع من ز نهاں خان? ازل بر دست
ترجمة: لا تظن بشعري تراثًا مسروقًا؛ لأن السارق (المتقدمين من الشعراء) اختطف كلامي من خزينة الأزل!
فورود خيال معيَّن في أذهان الشاعرَين وذِكره يسمَّى تَوارُدًا، ويسمِّيه العرب السرقة الشعرية بأنواعها، وهذا عامٌّ بين الشعراء، أما نقلُ مضمون معيَّن بدون أي جِدَّة وابتكار في المعنى، فهذه هي السرقة؛ فالتوارد ليس بعيب، ولكنَّ الغالب لا يحبُّ حتى التوارد، فهو يقول: لا تظن بشعري تواردًا؛ أي: إذا وافق معنًى في شعري معنى القدامى فلا تظنوا أني نقلتُه منهم، بل كان ذاك متواجدًا في خزينة العالم الأزلي، فمن سبَقني سرَقه من متاعي، فلستُ بسارق بل المتقدمون هم السارقون! هذا معنًى لطيف ملؤه الظرافة.