بدأ الغالب بالاستفهام؛ يعني أن الناصح يُخلص النصيحة، ولكن هذه النصائح ليست بما يقتضي الحال، وفي عجُز البيت أنه يتمنَّى أن يكون هناك مُعين على الصبابة بالأسى، ولكن لا يجده، فالتمني والعجز وكيفيته المتزايدة للصبابة أتى بكل هذه الأحوال في بضع كلمات، فالبيت مليء بالكيفية، ويثير عاطفة الشفقة والرحمة، بينما شعر المتنبي لم يتجاوز عن أن يكون خبرًا محضًا، أو رأيًا مختارًا.
يقول المتنبي:
لا تَعذِلِ المشتاقَ في أهوائهِ = حتى يكون حَشاكَ في أحشائِه
حاول المتنبي أن يَخلُق معنًى جميلًا؛ فهو يقول مخاطبًا العاذل: لو وضع قلب العاشق في صدرك فلا تَعذِله أبدًا، فستمرُّ بما يمرُّ به العاشق، فأين العذل واللوم؟ وقد جاء الشاعر الفارسيُّ سعدي بما هو أجود منه، فقال:
محتسب گر مے خورد معذور دارد مست را
وقد أدَّى الغالب - بادئ ذي بدء - هذا المعنى بأسلوب سهل، فهو يقول:
عاشق هوئے هيں آپ بهى اك اور شخص پر = آخر ستم كى كچه تو مكافات چاهئے
فهناك فرق كبير بين نقل كيفيَّة العشق وكون الواحد عاشقًا حقيقيًّا؛ مثاله مثال رجل يعطي مائة ألف روبية، ورجل يكتسب هذا القدر من المال؛ ففي المثال الثاني يجب على المرء أن يمرَّ بكافة المراحل، وهو ليس عبارة عن نقل كيفية فحسب، الآن يعرف الحبيب ما هو العشق؛ فإنه نفسه قد عشق.
لا ينتهي المعنى إلى هذه الغاية؛ فعجزُ البيت يشملُ معنًى آخر مستقلاًّ بذاته، وهو أنَّ الظلم الذي مارسته معي كحبيب؛ ذُوقيه كعاشق الآن، فخلق هذه المعاني في بيت واحد مما يختصُّ به الغالب ولا غير!
لقد أكثر الناسُ باتهام المتنبي بسرقة المعاني من الشعراء الآخرين، ولكن تلك السرقات ليست إلا نوعًا من الجدَّة والابتكار في المعنى، وهذا ما أدلى به القاضي الجُرجاني والثعالبي، وأثبتاه بالأمثلة، ولكن ما قاله المتنبي نفسه في هذا المعنى هو خيرُ مثال للابتكار والروعة الفنية، وهو كما يلي: