أمامك معنَيان عن حرارة العشق، فاحكم أنت بنفسك أيُّهما أشعرُ بالنسبة للأسلوب والصورة البيانيَّة، واختيار الكلمات، ونُدرة المضمون فيما يتعلَّق بنيل المطلوب.
يقول المتنبي:
وما كل مَن قال قولًا وفَى = ولا كلُّ مَن سِيمَ خسفًا أبى
أي ليس كلُّ رجلٍ مثلي في الإباء؛ فالمعنى جميلٌ وأسلوبه شعريٌّ، كما أنَّ بحره سلس، والبيت مليءٌ بالعواطف الثائرة، ولكن هل لا يمكن بشأن الإباء أنْ يتقدَّم أحدٌ ويفوق هذا المعنى؟! اقرأ بيت الغالب التالي:
تشنه لب بر ساحل دريا ز غيرت جاں دهم = گر بموج افتد گمان چين پيشانى مرا
ترجمة: إنْ خُيِّلَ إليَّ أن الأمواج (المرتفعة) أساريرُ على جبهة البحر فأموت من الغيرة والإباء عطشانَ على ساحل البحر (أسارير الجبهة مركز الاستنكار والاستكراه) !
تأمل رفعة الخيال؛ فالتعبير عن البحر بالناصية، ثم عن الأمواج المرتفعة فيه بالأسارير، ومن ثم الاستنتاج بأنَّ سقيه من البحر يمكن ألاَّ يسرَّ البحر خيالٌ دقيق ولطيف.
يقول المتنبي:
إنَّ المُعينَ على الصَّبابة بالأسى = أولى برحمةِ ربِّها وإخائِه
العشق وما يلزمه عنصرٌ مشترك للشعر الشرقي، فتجد في كلِّ مكان ذِكرُ العشق والناصح، والواعظ واللائم وغيرها، وقد ذكر المتنبي في بيته المذكور أعلاه الحقيقةَ أنَّ الحال التي يمرُّ بها العاشق لا يستطيع اللائم فهمها، فيزيد لومُه العاشقَ ألمًا، فمن يعزِّي العاشق في هذا الألم فهو الصديق المخلص له؛ فبيتُ المتنبي مجردُ الخبر، وإظهارٌ للحقيقة النفسية.
اقرأ نفس المعنى لدى الغالب؛ فهو يقول:
يه كهاں كى دوستى هے كه بنے هيں دوست ناصح = كوئى چاره ساز هوتا كوئى غم گسار هوتا
ترجمة: من أين هذه الصداقة؛ فالناصح أصبح صديقًا لي، ليته كان أنيسًا مؤانسًا، أو شافيًا مخلصًا!