ومنها: أنَّ دوحته ما زالت بكرًا، لم تَصِلْها أفكار الجانين، ورياضه ما برحت غُفلًا لم تُهذِّبها أقلامُ الدارسين.
ومنها: خِدمة عُشَّاق العربيَّة من الباحثين عن لآلئها المخبوءة، ونَفائسها المكنونة بتقديم فرائد من أصولها في قوالب جديدة، وأساليب قريبة.
ومنها: دراسة جُمَلٍ من اجتهادات النُّحاة الخلاَّقة، وآرائهم الثريَّة الضاربة في مَناحِي الفكر النحوي ممَّا اتَّسم بعضها أو أحدها بالتوسُّط بين طرفي التفكير النحوي؛ لعلِّي أستنطقُ مُضمَراتها، وأُبرِزُ مَكنوناتها، وأُفصِحُ عن غمغماتها، ثم بَيان ما استَقام ولم يشتطَّ، واعتدل فلم يعوجَّ.
ومنها: إماطة اللثام عن خطأٍ قد شاع، أو منهج قد تاهَ في زَحمة القُدوم عن أصحابه، فنُسِبَ إلى غيرهم، فأستلطف في ردِّ الشارد إلى نِصابه، وإعادة الآبِد إلى رِحاله، والتائه إلى أصحابه.
فالتقطت من ذلك دُرَرًا من بحارها الصافية، وأنهارها المائرة، قديمة وحديثة، جمعت به شمْل ما تشتَّت، ولممت به شعث ما تبعثر، ما أعان الله عليه ويسر، ثم حاولتُ إعمالَ عقلي في سبر أغوارها وإعجام عيدانها، مولية أصولها فضْل عناية، ومزيد رعاية، فبيَّنت ما تناساه المُبحِرون، وأبرزت ما أغفَلَه المدلجون، ثم عرضت ما استَقام أوَدُه لي منها على ما سقَط في يدي من شواهد مُؤيِّدة أو ناقضة، أو دالَّة على رأيٍ وليد، أو مُرشدة إلى فكرٍ سديد، يحيطُ ذلك سياج من الدِّقَّة، وتحرِّي الصواب، وإخلاص القصد - بإذن الله تعالى - ناشدةً ما فيه صلاحٌ لهذه اللغة الشريفة، أو ثراءٌ لهذه اللغة المقدَّسة، تطمئنُّ إليه أفئدة الشُّداة الصادقة، وتستلهمه أسنَّة الأقلام القادمة؛ ولذلك لم يكن الرأي الوسط في الغالب الزَّهرة المقطوفة، ولا الريحانة المشمومة، بل اصطفيت غيره عليه ما سانَدَه الدليل، وعاضَدَه الاستعمال الكثير، والشاهد الجليل.
ولتحقيق تلك الأغراض استقرَّ بناءُ البحث على هيكلٍ يتكوَّن من مدخلٍ، وعشرة فصول، يتقدمها تمهيد، وتقفوها خاتمة.
درست في المدخل فكرة الوسطية في خمسة مباحث:
المبحث الأول: دراسة تاريخية.
المبحث الثاني: تعريفها وضوابطها.
المبحث الثالث: الأصول النحوية في الرأي الوسط.