الصفحة 4 من 58

الرأي الوسط في النحو العربي

المقدمة:

الحمد لله حمدًا لا ينتهي أبَدًا، ولا ينضب معينُه أمَدًا، حمدًا ينثني دونَه هام المجد، وينحني على أعتابه سامي المدِّ، حمدًا زهاه روح العلم وعبير النُّهى، والصَّلاة والسَّلام على خير الوَرى، معدن النُّهى، الهادي إلى سبل التُّقى طريقًا لا عِوَجَ فيه ولا أمتًا، وعلى آله وصحبه، وقد اتَّخذ طريقه نهجًا.

أمَّا بعدُ:

فقد مَنَّ الله عليَّ حين هَداني لدِراسة لغة القُرآن في فجر دِراستي الجامعيَّة، ثم مَنَّ عليَّ مرَّة أخرى حين ألهمني فولَّيت وجهي شطر دراسة أصول نحوها في مرحلة التخصُّص (الماجستير) ، فكان نبعًا ثرًّا، وموردًا متوهجًا، تعشى دُونه الأبصار، وتَحار لديه الألباب، يُقابِلك لأوَّل وهلةٍ بمخافةٍ مرهوبة، وحُرمة ممنوعة، فإذا ما دربت عليه وصَبرت أزال الثَّرى عن نبعٍ منبثق، وإذا ما ألححت ولم تملَّ انشقَّت فطنتُك عن فيضٍ مُتدفِّق، يُسفِر لعَقلك عن نهجٍ لاحب، إذا أمسَكت بأوَّله أسلمََك مَدَبَّ نهجه، وربما انقادَ لك مُعظَمه، فأغراك بالسَّيْرِ في مَجاهِل أدْغاله، يحدوك أملٌ باقتِناص نفائس مُضمَراته، والإعلان عن خَفِيِّ همَساته؛ لذلك وصلت الحاضر بالماضي، والحديث بالقديم، وكان الرأي الوسط في النحو العربي امتدادًا طبعيًّا للوجوب، كلاهما من نبعة باسقة مشتجرة الأفنان، ومن أرومة واحدة مزدهرة الأركان، يُكملُ الثاني ما فطره الأول، ويصلُ اللاحق ما ابتدَعَه السابق.

وثمَّت أمورٌ أخرى:

منها: أنِّي رأيت الوسط من كلِّ شيءٍ أعدله، وأحسنه، وأقومه؛ قال - سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] ؛ أي: أمَّة عدلًا، وواسطة العقد أنفس لآلئه، ووسط المرعى أجوده وأوفره، فتوهَّج في ذِهني وتوقَّد أنَّ الرأي الوسط في النحو خُلاصة أفكار، وعُصارة أحلام، خالَط من صاحبه الشحم واللحم، والدم والعرق، أسقاه من نبْع وجدانه، وأنضَجه بلاعج افتِنانه، فقدَّمه على غيره لنَفاسته ولَطافته، وقُربه ويُسره، ولربما أنس فيه الشادي السماحة، ووجَد فيه التائه الضالَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت