الصفحة 28 من 35

الإيمان ليدل على أنه لا يكفي إيمان القلب بل لابد معه من الأعمال، ولهذا ترجم البخاري رحمه الله في الصحيح بقوله: (باب: من قال: إن الإيمان هوالعمل لقول الله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(72) } [1] وقال عدة من أهل العلم في قوله عز وجل: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) } [2] عن قول: لا إله إلا الله، قال تعالى: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [3] ، ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل؟ قال: (( إيمان بالله ورسوله ) )قيل: ثم ماذا؟ قال: (( جهاد في سبيل؟ ) )قيل: ثم ماذا؟ قال: (( حج مبرور ) ) [4] انتهى.

ومقصوده أن الإيمان كله عمل، نقيض من يقول: أنه تصديق القلب وقول اللسان فقط مع إن تصديق القلب عمله وقول اللسان عمله، وبذلك يتبين أن الإيمان كله عمل كما قال رحمه الله.

واحتجوا بما رواه الإمام مالك في الموطأ: أن رجلًا من الأنصار جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله، إن علي رقبة مؤمنة فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم، قال: أتشهدين أن محمدًا رسول الله؟ قالت: نعم. قال: أتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعتقها ) ) [5] .

ولا حجة لهم بهذا الحديث على أن العمل ليس من الإيمان؛ لأن الإيمان الظاهر الذي تتعلق به الأحكام في الدنيا لا يلزم منه الإيمان الباطني الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة، فإن المنافقين الذين قال الله فيهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [6] ، هم في الدنيا على ظاهرهم مؤمنون يصلون مع المؤمنين ويصومون ويحجون

(1) الزخرف: 72.

(2) الحجرات: 92 - 93.

(3) الصافات: 61.

(4) رواه البخاري رقم 26.

(5) رواه الإمام مالك في الموطأ (كتاب العتاقة والولاء) حديث رقم (8) .

(6) البقرة: 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت