الصفحة 29 من 35

ويغزون معهم والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم كما كان المنافقون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يحكم صلى الله عليه وسلم فيهم بحكم الكفار المظهرين للكفر، بل لما مات عبد الله بن أبي سلول وهومن أشهر المنافقين ورثه ابنه عبد الله وهومن خيار المؤمنين وكذلك غيره من المنافقين، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم ) ) [1] لا يدخل فيه المنافقون، وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، فيتبين بذلك أن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن تلك الأمة بالإيمان الظاهر الذي تعلق به الأحكام الظاهرة وإلا فقد ثبت أن سعد لما شهد لرجل أنه مؤمن قال له صلى الله عليه وسلم: (( أومسلم ) ) [2] . كرر ذلك ثلاثًا وذلك الرجل يظهر من الإيمان أكثر مما تظهر تلك الأمة.

فيجب أن يفرق بين أحكام المؤمنين الظاهرة في الدنيا التي تعلق بها الأحكام وبين أحكامهم في الآخرة التي يستحقون بها دخول الجنة.

واحتجوا أيضًا بقول ابن مسعود: (( اليقين الإيمان كله ) )ذكره البخاري تعليقًا [3] . قالوا: دل قوله هذا على أن الإيمان مجرد التصديق حيث جعل اليقين الإيمان كله فحصره في اليقين.

والجواب: أن ابن مسعود رضي الله عنه ما أراد نفي الأعمال عن الإيمان، وإنما أراد أن يبين أن اليقين هوأصل الإيمان كله، فإذا أيقن القلب بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر انبعثت الجوارح كلها بالعمل والاستعداد للقاء الله ممتثلة أمره مجتنبة نهيه، فيكون منشأ ذلك من اليقين ولهذا كان يقول في دعائه: (( اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفهمًا ) ).

والخلاصة أن الإيمان جاء في الكتاب والسنة مطلقًا كقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ

(1) رواه البخاري في كتاب الفرائض باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم (6383) . ومسلم في كتاب الفرائض باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم (4116) .

(2) رواه البخاري في كتاب الإيمان (باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام والخوف من القتل، رقم الحديث(27) .

(3) فتح الباري شرح صحيح البخاري 1/ 67 وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله) الفتاوى 7/ 223.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت