إذن لماذا لا نثق في الله تعالى وهو الذي خلقنا؟ لماذا نرتاب في عدله وقد يسر لنا طريق عبادته وزلل لنا العوائق والعقوبات، بل هو الذي ضمن لنا في ميزان حسابه أن يعاملنا برحمته لا بعدله، فهو القائل في كتابه (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (الأنعام/160) ، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (جعل الله الرحمة في مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه [1] ، وفي رواية(وتسعة وتسعون ليوم القيامة) [2] ، إذن رحمة الله بنا أكبر من رحمة الأم برضيعها، ورغم هذه الرحمة خلق النار وخلق لها أهلها بحق، ولا ظلم لأحد في ذلك، فمجرد سؤال الله تعالى عن ذلك هو تشكيك في عدله، وليس ذلك من الإيمان في شيء فهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - سبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - (أترون هذه طارحة ولدها في النار) ، قلنا لا وهي تقدر على أن لا تطرحه فقال (لله أرحم بعباده من هذه بولدها) [3] ، فطالما أن الله تعالى قد أخبر بأنه ليس بظلام فلا ريب بعد ذلك في عدل الله ولا جدال في استحقاق المصير.
وحين يسأل الله سبحانه جهنم (هَلِ امْتَلَأْتِ) ، فترد عليه (وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) لا يتطرق شك في قلب المؤمن في عدل الله تعالى كذلك، وإنما عليه أن يعلم أن الله حين خلق جهنم وخلق لها خلقها، وإنه رغم أنه سبحانه قد وسع من أقطارها، وقد ألقي فيها كثير من الناس إلا أنها لا تزال تسأل عن المزيد، والله تعالى يقول (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (ق/51) ، فعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (اختصمت الجنة والنار إلى ربهما فقالت الجنة يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار أوثرت بالمتكبرين، فقال الله تعالى للجنة أنت رحمتي، وقال للنار أنت عذابي أصيب بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها، قال فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدا وإنه ينشئ للنار من يشاء فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ثلاثا حتى يضع فيها قدمه فتمتلئ ويرد بعضها إلى بعض وتقول قط قط قط) [4] ، ولذلك فإن ملئ النار بأهلها هو حق وبر قسم، قال سبحانه (وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (السجدة/13) ، قال عز وجل (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ، لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) (ص/85) ، إذن حين يبارز
(1) رواه البخاري ج 5 ص 2236 رقم 5654
(2) رواه مسلم ج 4 ص 2108 رقم 2753
(3) رواه البخاري ج 5 ص 2235 رقم 5653
(4) رواه البخاري ج 6 ص 2711 رقم 7011