الشيطان ربه ويضم إليه من حق عليهم الغواية من الجن والإنس من اتبعه فعندئذ كان لزاما أن يعد الله جهنم بأن تمتلئ بهم أجمعين، يقول سبحانه (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة/24) ، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (قال لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة) [1] ، إذن لا فضل في الآخرة ولا مكان في الجنة أو النار لأحد غير ما قد كتب في قدر الله وقضائه، و كل ذلك بعدل الله ولا ظلم لأحد.
يقول سبحانه (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ(31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)
والترهيب الذي جاءت به الآيات شديد ومروع، ولذلك كان القارئ بحاجة إلى ما يهدئ من روعه ويطمنه فضل الله تعالى ورحمته، وذلك كعادة القرآن يلي الترهيب ترغيبا لتكتمل عقيدة المسلم الصحيحة، كما شبهها العلماء بالطائر الذي يطير بجناحين، أحدهما جناح الخوف والآخر جناح الرجاء، يقول صاحب الظلال (فالجنة تقرب وتزلف , فلا يكلفون مشقة السير إليها، بل هي التي تجيء) ، ولعل اقتراب الجنة يتحقق حينما يموت المسلم ويرى مقعده في الجنة ويتمنى أن تقوم الساعة لشوقه إليها، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة) [2] ، ويقول - صلى الله عليه وسلم - (العبد إذا وضع في قبره وتولي وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال انظر إلى مقعدك في النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة) [3] ، وهكذا تقترب الجنة وتتزلف للمتقين من قريب لا من بعيد وكأنها عروس تُزَف لزوجها، وحينها يتأكد وعد الله لأهل الجنة فيقولون (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (الزمر/74) .
(1) رواه مسلم ج 4 ص 2187 رقم 2848
(2) رواه مسلم ج 4 ص 2199 رقم 2866
(3) رواه البخاري ج 1 ص 448 رقم 1273