الصفحة 29 من 45

وخلق النار وخلق لها أهلا وخلقها لهم، وهم في أصلاب آبائهم [1] ، إذن هو قضاء سبق وقدر قد قُدِر.

وقبل الإجابة على هذا التساؤل ينبغي التأكيد على أنه لا أحد يملك الإجابة عليها إلا الله وحده سبحانه، كما أن توجيه هذا السؤال إليه سبحانه ممتنع، يقول سبحانه (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (الأنبياء/23) ، فهذه الأسئلة لا يحق لأحد أن يسألها في حق الله، كما أنه لا يملك الإجابة عليها أحدا إلا هو، ورغم ذلك فإنه سبحانه أجاب إجابة قاطعة للشك، بقوله سبحانه (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ، ذلك أن الغاية من هذا التساؤل هو التشكيك في عدل الله تعالى، ولكنه سبحانه ينفي عن نفسه الظلم، كما في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا [2] ، فإذا كان الأمر كذلك فلا سبيل إلى معرفة هذه الإجابة إلا بالاعتقاد بأن الله تعالى يحكم بالقسط، وقوله حق وقدره عدل، يقول سبحانه (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) .

لكن قد يشفي صدر المريض أن يعلم الإنسان أنه قد اختار أن يُخلق ويحمل أمانة التكليف وقد عرضت هذه الأمانة على غيره من المخلوقات فأبت ووافق هو عليها، ولم يعجزه ربه عن حمل هذه الأمانة وإنما أعطى له المقومات والإمكانيات والقدرات والمؤهلات التي تمكنه من حمل هذه الأمانة، المهم هو التأكيد على أن ذلك كله ليس فيه أي ظلم للعبيد، وأن أهل الجنة يصيرون للجنة بحق وأن أهل النار يصيرون إلى النار بحق، ولا ظلم لأيهما

ومثال ذلك مثل المريض الذي يتم استئصال كليته لفشلها، أو بتر قدمه لخطورتها على حياته، وهو لا يفقه شيئا في الطب لكنه يثق في هذا الطبيب ويعلم أن في هذا مصلحته، فإنه يرضى بهذا المصير علما مسبقا منه أنه لن يظلم في قطع رجله أو استئصال كليته، وإنما ذلك سوف يصلح من شأنه، بل لو قيل له أنه سوف يتم استئصال ورم في جسدك لكنك بعده سوف تصير مشلولا شللا تاما لما مانع في ذلك وفضل العلاج باستئصال هذا الورم على الموت، وكل ذلك هو تكهن منه بالغيب أو أخذ بالأسباب التي يمكن تفسيرها في الاستعانة بالطبيب الثقة لأجل إجراء هذه العملية،

(1) رواه أبو داود ج 2 ص 641 رقم 4713 وصححه الألباني - ومثل هذه الرواية عند مسلم ج 4 ص 2050 رقم 2662

(2) رواه مسلم ج 4 ص 1994 رقم 2577

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت