يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف/17) ، إن ما سوف يحدث يوم القيامة هو عين ما حدث في الدنيا حين تحزب الشيطان مع الكفار على المؤمنين فلما رأي الملائكة تؤازر الذين آمنوا خاف ونكص على عقبيه، قال سبحانه (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال/ 48) .
لا عجب في ذلك، فذلك هو الخزلان المبين، ولذلك ينهي الله الخصام والجدال بين الشيطان وأهل النار، فكلاهما قد أضل نفسه وكلاهما أعان بعضهم بعضا لما آلوا إليه من مصير، قال تعالى (قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) ، حيثُ قلتُ لإبليسَ: {لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} فاتبعتمُوه معرضينَ عن الحقِّ فلاَ وجْهَ للاختصامِ في هَذا الوقتِ [1] .
والمصير الذي يستحقه كلاهما هو قدر قد سبق في علم الله تعالى، ولا ظلم لأحد فيما آل إليه مصيره، يقول سبحانه (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (ق/51) ، وفي ذلك إجمال لأسباب هذا المصير، وتأكيد على أن دفع ذلك ممكن وممتنع، فهو ممكن عقلا وشرعا، وممتنع كونا لأنه عين العدل، أي لولا ما اقترفته أيديكم - كناية عن جوارحكم- من أفعال وآثام، لما صرتم إلى جهنم، وهو عين ما ذكرته الآيات كذلك من استدراك الشيطان لأسباب هذا المصير (وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) ، وقد تأكد ذلك تحقيقا بقوله سبحانه (وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) ، تأكيدا على أن الله سبحانه قد بصَّر عباده الطريق وأنذرهم بالرسل، فلا ظلم لأحد، وقد قطع القرآن بأن الشيطان لم يكن مسلطا على ابن آدم إلا بما قدمه له ابن آدم من تنازلات، كما قطع بأن الله سبحانه أرسل الرسل بالنذارة والبشارة وأنزل الكتاب فيه هدى للناس وفيه الوعد والوعيد؟
لكن قد يسأل سائل أليس الله بعالم بما سوف يفعله أهل النار؟ أليس هو قد تركهم ليصيروا إلى ما صاروا إليه؟ إذن لماذا خلقهم؟ أخلقهم لكي يعذبهم؟ وهو قادر على ألا يخلقهم وقد علم أنهم سيصيرون إلى ما صاروا إليهم قبل أن يخلقهم؟ فعن عائشة أم المؤمنين قالت: أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بصبي من الأنصار يُصَلَّي عليه - أي صلاة الجنازة - قالت قلت يا رسول الله طوبى لهذا لم يعمل شرا ولم يدر به فقال"أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم،"
(1) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - تفسير أبو المسعود ج 6 ص 197