الصفحة 27 من 45

مرحلة المفاصلة الكبرى التي لا يجدي بعدها النقاش أو الحوار، وإنما لابد عندئذ من التبرؤ والتجرد لله سبحانه القائل في كتابه (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس/104) .

وقوله تعالى (الَّذِي جعل مع الله إلها آخر) : ربط تلك الصفات التي جمعتها الآية سلفا بصفة جامعة لها بقوله تعالى (الذي) ، تلك الصفة الجامعة هي الشرك بالله تعالى، ولم تذكرها الآية تصريحا، وإنما ذكرتها تعريضا بقوله سبحانه (جعل مع الله إلها آخر) ، فهو لم ينصرف عن عبادة الله تعالى بالكلية، وإنما عبد معه غيره، فلم يوحده سبحانه بالعبودية، وهذا هو الإشراك بالله، والغاية من ذلك هو صرف الناس عن عبادة الله بطريق التلهي بعبادة غير الله سبحانه، إذ لو زعم هؤلاء أن لا إله وحسب، لأضحى غير المؤمن بالله تعالى في فراغ عقائدي، وكلما مر عليه الزمن وانشغل تفكيره بما يجب أن يعتقده لاقترب من الدين الحق حتى يدين بالإسلام لله، لكن عندما ينشغل فكره بعبادة غير الله تعالى فإن ذلك يشغله عن التوحيد لله سبحانه، ولذلك عبدوا غير الله ليضلوا الناس عن عبادة الله، قال سبحانه (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) (إبراهيم/30) .

ثم يتأكد الحكم من الله ويصير نهائيا غير قابل للاستئناف بقوله تعالى (فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ) ، وعندئذ تحدث جلبة وضجة حيث يحدث تشاحن بين القرناء، فيزعم الكافر أن قرينه قد أورده المهالك، فيرد القرين بأن لم يكن هو سبب إغواء الإنسان، يقول سبحانه (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) ، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن قالوا وإياك؟ يا رسول الله قال وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير) [1] ، وينطق هذا القرين يوم القيامة ليتبرأ مما صنع ابن آدم رغم أنه كان سببا في إعانة بن آدم علي الشر، بل إنه قد أمره به فاستجاب له، قال تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (إبراهيم /22) ، ونظير ذلك كذلك قوله تعالى (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) (الحشر /16) .

أوليس من العجيب أن يتبرأ الشيطان يوم القيامة من ابن آدم وما آل إليه مصيره، وقد أقسم أن يبذل كل طاقته لإغوائه؟ وقد أخبرنا القرآن بعزم الشيطان إضلال ابن آدم إذ قال (قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى

(1) رواه مسلم ج 4 ص 2167 رقم 2814

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت