الصفحة 26 من 45

وقوله تعالى (مناع للخير) : فيه إشارة إلى تخطي الكافر مرحلة العناد - تلك التي لا تضر غير نفسه - إلى مرحلة الصد عن سبيل الله تعالى، وقد يظن ظان أن من الكفار المعاندين المتشددين في الفكر والمتصلبين في الرأي من ليس بصاد عن الحق ولا بمناع للخير، كل ما في الأمر أنه يدافع عن رأيه ووجهة نظره الخاطئة ظنا منه أنها صوابا، فتجده يستلهم من الكفر إرشادا ومن العناد هدى بينما هو في الحقيقة يعمه في غيه وضلاله، بيد أن الحقيقة غير ذلك، ذلك لأنه وإن كان الظاهر من حاله أنه لا يمنع خيرا - في ظنه - ولا يبغي شرا - كذلك في قصده - فإنه كذلك في اعتبار القرآن، بل لابد وأن يصطدم بالحق وأهله إن ظل يعتقد ما يعتقده من الكفر حتى ولو لم يظهر من فعله منع للخير أو صد عن سبيل الله، ذلك أن اعتقاد الكفر - في أصله - مانع للخير، فمن لم يشكر الله تعالى كيف يشكر العباد؟ ومن لم يؤد حق الله تعالى عليه كيف يؤدي حق العباد؟ فالكفر والعناد بالكفر يعظم النظرة الشخصية القاصرة على النفس فحسب، وتعظيم النفس في مقابل تصغير الغير وحقوق الآخرين، بينما يهتم الإسلام بالإطار الاجتماعي للمسلم، فيضع حقوقا للآخرين تنبث من كونهم يعيشون معه في مجتمع واحد، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إن الله عز وجل يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك؟ وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب وكيف أطعمك؟ وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك؟ وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي) [1] .

وقوله تعالى (معتد) :يوضح أن الكفر لا يقتصر على منع الخير فحسب، وإنما يتطور إلى مرحلة الهجوم والتعدي على حقوق الآخرين، لقوله سبحانه (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) ، فلأنه ظهر منه منع الخير فلابد وأن يلي ذلك ظهور العدوان منه إن لم يجاهده المسلمون، وهنا تجمع صفات المبالغة في الكفر والعناد ومنع الخير حتى الاعتداء على حقوق العباد، يقول سبحانه (وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) (119/الأنعام) .

وقوله تعالى (مريب) : يدل على أن من اتصف بتلك الصفات الآنف ذكرها قد أصبح في مرحلة الريب والشك، وهو ضرب من الوسوسة، وكثير من التخبط، لتجده يرتاب في كل شيء ولا يثق أي شيء حتى في نفسه أو من حوله من أقربائه وعشيرته، وهي أشد مراحل الانزلاق إلى الهاوية، وهي

(1) رواه مسلم ج 4 ص 1990 رقم 2569

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت