(التحريم/6) ، وتلك أيضا لمحة نتعلم منها أن يقوم البشر باختيار من هم أمثلهم أخلاقا وأفضلهم سمعة ونقاءا للقيام بمهمة السجان والحارس ومنفذي الحدود، قال تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) (50/الأنفال) ، وألا توكل مثل هذه الأمور لمخرومي المروءة والفاسدين أو حتى غير المعروف عنهم بأنهم أفضل الناس وأمثلهم، والله قادر على أن يعذب هؤلاء بدون ملائكة، ولكنه يعلمنا أمور حياتنا بما نعتقده من أمور آخرتنا.
وتسرد الآيات الصفات التي استحق لأجلها أهل النار العذاب، فقد صدر الحكم من الله تعالى (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ) فمن يستحق هذا العذاب؟ ذكر في منطوق الحكم لفظ (كُلَّ) وهو يفيد العموم والشمول والاستغراق والإحاطة لكل اسم نكرة جاء بعدها، وهم ... كل (كَفَّارٍ، عَنِيدٍ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ، مُعْتَدٍ مُرِيبٍ، الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ) كل أولئك ما حكمهم؟ (فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ) ، وقبل تفصيل ذلك، نود أن ننوه إلى أن هذه الصفات ليست بمعزل عن بعضها البعض وإنما هي صفات مترابطة ومتشابكة ويعضد بعضها بعضا لاستحقاق العذاب الشديد والإلقاء في جهنم، وذلك على النحو التالي:-
فقوله تعالى (كفار) : يشير إلى أن المخاطب بهذه الآية من تعدى مرحلة الكفر إلى مرحلة استمرار الكفر بعد إقامة الحجج عليه، حيث ينطبق عليه وصف المبالغة من الكفر بلفظ (كفار) ، فإن كان الكفر أساس كل شر، فإن الاستمرار فيه لتتراكم أعمال الكفر بعضها فوق بعض بما يصم الكافر بأنه كفار حيث لا ينسب إليه شكر أبدا، الأمر الذي يصير به الكافر إلى مرحلة العناد، فيسمى بالكفار، يقول سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ(91) ، إذ لولا إصراره على الكفر لكان الأمر مرجو في أن تأت اللحظة التي ينشرح قلبه فيها للإسلام.
وقوله تعالى (عنيد) : يعني أن من الكفار من ليس عنيدا بدليل أن منهم من يدخل الإسلام، لكن استمرار الكفر وإتيان أعمال الكفر يورث عنادا واستكبارا، يقول سبحانه (فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا، اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) (43/فاطر) ، وقد بلغ قوم نوح من العناد مبلغا لم يبلغه مثلهم، وظلوا على عنادهم ألف سنة إلا خمسين عاما، يقول سبحانه (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا(7/نوح) ، فلم يكن جزاؤهم إلا الطوفان.