الاعتراف هو سيد الأدلة، وكذلك المولى سبحانه وتعالى يجعل الجوارح تنطق بما اقترفه الإنسان، يقول سبحانه (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ(النور /25 - 24) ، ويقول سبحانه (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ(فصلت /20 - 22) .
عندئذ يقول - لسان حال - الإنسان ليتني انتبهت لحياتي التي كنت غافلا عنها من أمور الغيب التي كنت أعيشها في عالم الشهادة، أو بمعنى آخر ليتني كنت مصدقا أن الله جعل لي قرينا عن يميني وشمالي يكتب ما أقول وأفعل، فاليوم انكشف الغطاء ولا غيب وكل ما غاب عنك في الدنيا فهو مشاهد يوم القيامة، يقول سبحانه (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) ، فقد انتهى الامتحان و الابتلاء ولم يبق إلا الحساب والجزاء.
يقول سبحانه (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) (ق/23) ، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الملائكة) [1] إذ توضع السجلات لتحصى الأعمال على العباد، ونظير ذلك قوله سبحانه (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(الكهف/49) ، ثم يصدر الحكم من الله تعالى الذي يقضي بين العباد، وهو حكم تفصيلي بالإلقاء في جهنم (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) ، مسببا بحيثيات محددة تشتمل على أوصاف الإدانة (كفار - عنيد - مناع للخير - معتد - مريب - جعل مع الله إلها آخر) ، (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ) (ق/25 - 26)
واللافت للانتباه أن الملائكة تقوم بوظيفة أخرى غير وظيفة التقصي والتثبت وإحصاء أفعال وأقوال المكلفين وكتابتها في سجلات، إذ يكلفها الله تعالى بمهمة السجان والحارس لأهل النار، (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) ، ونظير ذلك قوله سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ
(1) رواه أحمد ج 1 ص 385 رقم 3648 وصححه الألباني انظر الجامع الصغير وزياداته ج 1 ص 1074 رقم 10739