الصفحة 23 من 45

وأصغى سمعَه، ينتظر أن يؤمَر فيَنفُخَ؟ فكأن ذلك ثقُلَ على أصحابه، فقالوا: فكيف نفعل يا رسولَ الله، أو نقول؟ قال: قولوا: حسبُنا الله ونعمَ الوكيلُ، على الله توكلنا [1] .

ثم يلي النفخ للبعث مرحلة الجمع والحشر يقول سبحانه (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا) (الكهف/99) ، إذ يتحقق ما لم يكن الكافر يتمناه حيث يبعث ويجد ما وعده ربه حقا، (ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) ، فهو وعد بالجائزة للمؤمنين ووعيد بالعذاب للمكذبين، ثم يبدأ الحساب.

والعجيب أن المولى سبحانه يضع للحساب الضوابط والإجراءات المتبعة التي فرضها سبحانه على نفسه ليتحقق العدل في الآخرة، وهو قادر على أن يحاسب عباده دون الإتيان بالشهود والأدلة والقرائن، لكنه سبحانه من أسمائه وصفاته العدل، بأن يحاسب عباده حساب وفقا لشروط مسبقة ليقوم ميزان العدل في الآخرة، وأولى بنا أن نتبع هذه الضوابط والإجراءات لنقيم ميزان العدل في الدنيا.

يقول سبحانه (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) (21/ق) ، يقول القرطبي: قال ابن عباس: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل، فالملائكة قد باشرت وظيفتها حيث قامت بضبط كل مخالفة قام بها ابن آدم وحررت المحاضر التي يستدل منها على هذه الجرائم والمخالفات، يقول سبحانه (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) (يس/29) ، واللافت للنظر أن الله تعالى كلف الملائكة بالقيام بهذه الوظيفة، وهو ما يستدعي يختار ولي الأمر أطهر العباد قلوبا للقيام بأعمال الشرطة قياسا على الملائكة في وظيفتها تلك التي أشرنا إليها، وهكذا يعلمنا القرآن أمور حياتنا من خلال ما نؤمن به من معتقداتنا التي ندين بها لله تعالى، إذ لا يكفي أن يقوم بالقضاء من نثق في عدله وإنما لابد وأن تكون إجراءات المحاكمة والتحقيق ومن قبلهما الضبط والإحضار عادلة حتى تكون المحاكمة برمتها عادلة.

وللافت للنظر أن المولى سبحانه لم يكتف بما ساقته الملائكة - رغم أنهم لا يعصون الله ما أمرهم - من محاضر الاستدلال على ما اقترفه ابن آدم من أخطاء وذنوب، وإنما لابد وأن تقوم ثمة أدلة معتبرة على ذلك، وفي هذا المقام تكون الشهادة، لكن من يشهد على ابن آدم، أهل القانون يقولون أن

(1) رواه الترمذي ج 11 ص 37 رقم 3166 وصححه الألباني: صحيح الترمذي ج 3 ص 100 رقم 2585

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت