وما سوى ذلك فأنت عنه غافل، والحق أن يعيش المؤمن في عالم الشهادة دون أن ينفصل به عن عالم الغيب، قال تعالى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) {الزخرف/80} ، وأول ما يستشعره من عوالم الغيب أمران أولا: معية الله تعالى ومراقبته له، والثاني مصاحبة الملكان له وقعودهما عن يمينه ويساره، واستحضار معنى حضور الملكان وقعودهما عن يمين المرء وشماله، وأنهما لا يفارقانه أبدا بينما الأهل والأحباب قد يفارقانه حال خلوته أو نومه، لهو أدعى إلى تحصيل المراقبة، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة) [1] .
خامسا: في قوله سبحانه (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (18) ما يفيد وجوب مراقبة المسلم لجوارحه وبخاصة لسانه، فعن معاذ بن جبل: قال كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال لقد سألتني عن عظيم ... ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروته وسنامه؟ قلت بلى يا نبي الله فأخذ بلسانه قال كف عليك هذا فقلت يا نبي الله وإنا لمؤاخذون مما نتكلم به؟ فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) [2] ، ونظير ذلك قوله سبحانه (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) (يس/12) ، فليحترز المؤمن من أن تحصى عليه أقواله وأعماله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار) ، ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفع الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم) [3] .
(1) رواه أحمد ج 1 ص 385 رقم 3648 وصححه الألباني انظر الجامع الصغير وزياداته ج 1 ص 1074 رقم 10739
(2) رواه الترمذي ج 5 ص 11 رقم 2616 وصححه الألباني
(3) رواه البخاري ج 5 ص 2377 رقم 6113