سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوسوسة قال تلك محض الإيمان) [1] ، وذلك -كذاك - علامة على أنه مبتلى، والمرء يبتلى على قدر دينه، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه) ، ولا شك أن الوساوس أظهر البلاءات اعتراضا للإنسان، والوسوسة لابد وأن تندفع بالذكر وإلا استمرت تجول في خاطر الإنسان لتفسد عليه عيشه، ولذلك وجب دفعها بالمجاهدة والذكر، لقوله تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ، وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ) (الأعراف /200 - 202) .
ثالثا: في قوله سبحانه (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) ، استشعار لمعية الله تعالى للعبد في كل أحواله ومراقبته له كل أعماله، فإذا علم الإنسان ذلك فعليه أن يخجل أن يحدث نفسه بما فيه شر وما لا يرضيه، وهذا هو الصفاء النفسي الذي ينشده الإسلام، فلا يكفي أن تلتزم الجوارح منهج الله والقلب عنها منصرف، وإنما لابد أن تسلم القلوب لهذا المنهج وأن يستقر في ضمائر المؤمنين اتزان نفسي يحب كل ما يحبه الله ورسوله ويبغض كل ما يبغضه الله ورسوله، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) [2] ، أو كما قال (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) [3] .
رابعا: في قوله سبحانه (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) ، يقول بن عاشور: (التلقي: أخذ الشيء من يد معطيه، استعير لتسجيل الأقوال والأعمال حين صدورها من الناس) ، فاستحضار مراقبة الملكان للإنسان تجعل المرء لا يغفل عن حياة الغيب التي يعيشها وليس بمعزل عنها، فهو إن كان يعيش بين عالمين مختلفين لا تلاقي بينهما، عالم الغيب وعالم الشهادة، فإن عالم الغيب أوقع من عالم الشهادة، فإذا انفصل بعالم الشهادة عن عالم الغيب جمدت أفكاره وأضحت نفعية بحتة، وإذا فكر في عالم الغيب دون أن يعيش واقعه في عالم الشهادة أضحى تائها لأنه بذلك أقرب إلى التنجيم وادعاء الغيب وذلك ضلال مبين، فإنك لا تعلم من الغيب إلا القدر الذي أخبرك به الشرع
(1) رواه مسلم ج 1 ص 119 رقم 133
(2) رواه البخاري ج 1 ص 14 رقم 15
(3) مشكاة المصابيح ج 1 ص 36 رقم 167 - رجاله ثقات غير نعيم بن حماد ضعيف لكثرة خطئه وقد اتهمه بعضهم - ولذلك ضعف إسناده العلماء ومنهم العلامة الألباني، لكن متن الحديث يتفق مع الحديث السابق الإشارة إليه في صحيح البخاري ويعضده