لهذه الوساوس وإنما عليه دائما أن يتصل بذكر الله تعالى، ولا يدع مكانا في قلبه لشرور النفس التي تنبع من هذه الوساوس، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا) [1] ، وإن غلبت عليه الوسوسة فإنه يقاومها حتى تظل حبيسة نفسه، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) [2] ، فإذا ظلت هذه الوساوس حبيسة صدره وكتمها ولم تخرج لحيز العمل أجر عليها، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (من هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة) [3] ، فمن الذي يصرف هذه الوسواس عن الإنسان؟ وكيف تنصرف عنه؟ يجيب المولى سبحانه (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ، وعليه فإن ثمة أمور لدفع الوسوسة قد نستخرجها من تلك الآيات المباركات، وذلك على التفصيل التالي:-
أولا: في قوله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) ، ما يفيد بوجوب الاعتقاد بأن الله تعالى خالق الإنسان هو أعلم بخلقه وما يصلح لهم وما يضرهم، وإنما عليه أن يذعن ويخضع لما حكم الله به وكله ثقة أن ذلك يحقق مصلحته دون عناد أو استكبار، بما يكفيه أن يظل مترقبا متوجسا للأمور أو متشككا، وقد كفاه الله تعالى عبء ذلك، غاية الأمر أن يسير على شرعه ليحقق مصلحته في الدنيا والآخرة، ذلك أنه سبحانه خلق الخلق ولم يتركهم هملا وهو أعلم بحاجاتهم واحتياجاتهم وخط لهم ضربا يسيرون عليه، وهي شريعته، فلماذا إذن يخاطر الإنسان بالسير خلاف المنهج ويلتمس المصلحة في غير ما شرعه الله له.
ثانيا: في قوله تعالى (وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) ما يفيد وجوب مجاهدة المؤمن للوسوسة وعدم الاسترال لها، فبالرغم من أن الوسوسة قد تدفع المؤمن لارتكاب ما يبغضه الله إلا أن وجودها في ظل مقاوته لها ودفعه إياه بُشرى خير له، فعن أبي هريرة قال جاء ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال وقد وجدتموه؟ قالوا نعم قال ذاك صريح الإيمان) [4] ، فذلك دليل أنه يسير على طريق الإيمان وإلا لانشغل الشيطان بوسوسة غيره عنه، ولذلك عندما
(1) رواه البخاري ج 5 ص 2253 رقم 5717
(2) رواه البخاري ج 5 ص 2020 رقم 4968
(3) رواه البخاري ج 5 ص 2380 رقم 6126
(4) رواه مسلم ج 1 ص 119 رقم 132