الصفحة 17 من 45

قوله سبحانه (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [1] (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)

كثيرا ما تجول في النفس خطرات أو وساوس وهواجس، ذلك أن العقل البشري يتميز بأنه كثير المراجعة لنفسه، إذ يضع أمامه أهداف محددة ووسائل لتحقيقها والعقبات التي تعترضه وسبل إزالتها وفي أثناء ذلك تنتابه هواجس الفشل أوالخوف أحيانا، وهو يسير في طريق المجهول لا يدري أسعيه في هذا الطريق سوف يحقق له أحلامه وطموحاته أم إنه اختار طريقا غير مناسب لتحقيق هذه الأهداف، شكوك وظنون تحيط به قد يتيه فيها فلا يدري أن يهتدي أو يلجأ؟ ولمن يحتمي؟ إنه الله سبحانه وتعالى قال في كتابه (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطلاق /3) ، فالإنسان إذا كلف نفسه الإحاطة بكل المخاطر التي تحيط به وإزالة المصاعب التي تقف أمامه والعقبات التي تعترض طريقه، فإنه لن ينعم بالأمن ولا بالأمان ولا السلام والطمأنينة، وسيظل متربصا متحسبا متوجسا حتى يتنهي به المطاف إلى مرحلة الوسوسة، وهي مرحلة خطيرة أقرب إلى الجنون إن لم تصل إلى الجنون فعلا، إن المسلم ينأى بنفسه أن يقع في دائرة الوسوسة، ولذلك يستعن بالله دائما من شر الوسوسة، بل إن الوساوس كادت من كثرتها أن تفسد علي الإنسان عبادته لربه، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى) [2] ، فلا ينبغي للمسلم أن يستسلم

(1) يقول العلماء (الوريد جزء من أجزاء الدماغ المهمة وله علاقة بالوعي واليقظة والأفعال الإرادية والغير إرادية وذو اتصال مباشر وغير مباشر مع معظم أجزاء الدماغ المختلفة، و جذع الدماغ Brain stem يعتبر وسيطا لربط نصفي كرة المخ مع النخاع الشركي فتظهر خواص الحبل فيه ومن ناحية أخرى فإنه الوريد الذي يورد أو عن طريقه ترد المعلومات من و إلى الدماغ، وعليه فإن كلمة وريد هي تبيان لتوريد المعلومات والحوافز الداخلة والخارجة من الدماغ، وإذا رجعنا إلى الآية الكريمة نجد أن السياق يدل على ارتباط الوسوسة مع حبل الوريد , إذ يوجد ارتباط مباشر بين ما يحدث الإنسان به نفسه، وبين ما يتحول من الأفكار والخواطر إلى أفعال إرادية وحركية وهذه الأفعال تكون ذات علاقة مباشرة وغير مباشرة مع جذع الدماغ، وقد أعلن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أنه يعلم الوسوسة في وقت حدوثها وكذلك قبل تحولها أو وصولها إلى جذع الدماغ حيث يكون التحول من النية إلى الفعل الحركي في بداياته فهو سبحانه وتعالى أقرب إلى الإنسان من هذه المرحلة)

الأستاذ / محمد راتب النابلسي - خالد الجندي في ميزان العقل والنقل - المنتديات العلمية www.olom.info

(2) رواه البخاري ج 1 ص 220 رقم 583

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت