مبلغ الطغيان، فهل غيَّر تكذيبهم للرسل من مصيرهم المحتوم ألا وهو الموت، ونظير الوعيد المقصود هنا قوله تعالى {إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} ، والقصص لا تنقطع والأمثلة لا تنتهي وكلها يجمعها أن مصيرهم كان صدقا إنزال الموت بهم حكما من الله تعالى، فكان موتهم هو صدور حكم من الله تعالى بوجوب إنزال العقاب بهم نظير تكذيبهم، لأن من مات قامت قيامته، وهي رسالة تهديدية وتذكيرية لقوم النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ألا يقعوا في مثل ما وقع فيه هؤلاء، فالمسألة بسيطة ولا تحتاج لكل ذلك الجدال والتكذيب، فكما أن المولى سبحانه خلق الخلق أول مرة فكذلك لن يعييه أن يخلقهم من جديد، قال سبحانه (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) (29/الأعراف) .
إن تذكير القرآن لنا بالموت وأنه هادم اللذات، يجعلنا نفكر فيما بعد الموت، طالما أن الحياة الدنيا لابد وأن تنقضي ولم يخلد فيها أحد، فماذا بعد الموت؟ فلا يمكن أن تنتهي القصة عند هذه المرحلة بعد هذا التدبير العظيم للكون والمخلوقات، وكيف بالحياة أن تنتهي فلا يكون لها امتداد في عالم الآخرة، بمعنى هل يعقل أن يخلق الله تعالى هذا الكون وتلك المخلوقات ويجعلها تتعايش معا وتنتج وتتكاثر على نحو معين ثم ينقضي ذلك كله ويفنى دون أن يكون ثمة معنى لتلك الحياة الدنيا، والقول بذلك يعتبر شيء من العبث الشديد لا يمكن تصوره أوالقول به في شأن من أبدع كل هذا الحسن ودبره.
بينما في المقابل يسهل التسليم بمنطقية البعث وأنه على مثال سبق، وقد خلق الله الخلق من العدم على غير مثال سبق، فلماذا يستعصي عليه شبحانه أن يعيدهم كما خلقهم أول مرة؟ يقول سبحانه (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ(78/ 79) ، فليس الأمر يستحق مثل هذا الجدال ولا ذاك اللبس، ولو أردتم جدالا فجادلونا فيما حدث لقوم نوح أو أصحاب الرس أو ثمود أو جادلونا فيما حصل لعاد وفرعون وإخوان لوط أو أصحاب الأيكة وقوم تبع، فهل استطاعوا بتكذيبهم هذا للرسل ومجادلتهم إياهم أن يفلتوا من المصير المحتم، وقد أعادت الآيات هذا المعنى في قوله تعالى (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ) {ق/36} ، فالمسألة التي تجادلونا فيها منطقية ومسلمة وواضحة للعيان، فلابد - إذن - وأن تغيروا معنا طريقة تفكيركم في الدنيا، فإنكم لن تخلدوا فيها ولابد من حساب، ولن يفلت أحد من العقاب.