قوله سبحانه (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ [1] وَثَمُودُ(12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ [2] وَقَوْمُ تُبَّعٍ [3] كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15)
وتخبرنا الآيات بالنهاية المعروفة والمصير المحتم لمثل من كذب بالبعث وكذب الأنبياء الأولين فحق عليهم وعيد الله لهم بالموت، وهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع، والشاهد من ذكر هؤلاء أنهم بلغوا في الدنيا مبلغا من المجد والعظمة ما لم يبلغه أحد مثلهم، وتفاخرا بعائلاتهم كقوم نوح، وغدرا بالصالحين كأصحاب الرس، واغترارا بقوتهم وبنيانهم كقوم عاد وثمود، واسترسالا في جمع المال والسلطان كفرعون، وإسرافا في الشهوات كقوم لوط، وظلما للناس وغشا في الحقوق كأصحاب الأيكة، وسخطا للنعمة كقوم تبع، حتى بلغوا
(1) اختلف المفسرون في تحديد هوية أصحاب الرس، ولكنهم اتفقوا على أن «الرس» بئر عظيمة أو حفير كبير، قال ابن عباس، أصحاب الرس أهل قرية من قرى ثمود، والرس بئر بأذربيجان، وقال القرطبي، إن «الرس» في كلام العرب هو البئر التي تكون غير مطوية أي غير مبنية، وقال عكرمة، الرس بئر دفنوا فيها نبيهم، وفي تفسير أبي السعود، أصحاب الرس هم قوم يعبدون الأصنام فبعث الله تعالى إليهم شعيبًا فكذبوه، فبينما هم حول الرس إذ انهارت فخسف بهم وبديارهم.
(2) أصحاب الأيكة إحدى قبائل العرب القديمة، ... ، وأطلق عليهم هذا الاسم لأنّهم كانوا يعبدون شجر الأيك، وهو شجر ملتف على بعضه البعض، كما عرفوا بالغش في الأوزان، فبعث الله لهم النبي شعيب لهدايتهم، ولكنّهم لم يستجيبوا له.
ذكر القرآن الكريم أنّ قوم مدين كانوا بالقرب من قوم ثمود، وأن الله بعث لهم النبي شعيب عليه السلام، وأن سيّدنا موسى لجأ إليهم وصاهرهم، وذكروا باسم قوم مدين، وأصحاب الأيكة في مواضع عديدة منها قوله تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) ، وقوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) .
(3) (تبع) كان قد عظم سلطانه وغزا بلاد العرب ودخل مكة ويثرب وبلغ العراق، ويقال: إنه الذي بنى مدينة الحيرة في العراق، وكانت دولة تبع في سنة ألف قبل البعثة المحمدية، وقيل كان في حدود السبعمائة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن سب (تبع) فقال: (لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ) رواه أحمد في"المسند" (37/ 519) عن سهل بن سعد رضي الله عنه وقال المحققون: حسن لغيره، وحسنه الألباني في"السلسلة الصحيحة" (2423) .
و (تبع) لقب لمن يملك جميع بلاد اليمن حميرا وسبأ وحضرموت، فلا يطلق على الملك لقب تبع إلا إذا ملك هذه المواطن الثلاثة. وقال ابن كثير: وقد كانت حمير وهم سبأ كلما ملك فيهم رجل سموه تبعا، كما يقال كسرى لمن ملك الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، وفرعون لمن ملك مصر كافرا، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من أعلام الأجناس.