خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا) [1] ، فالآية التي نحن بصددها تؤكد عمومه سواء في المصائب أو غيرها، بل في مواطن التفكر والتدبر الدالة على قدرة الله تعالى على البعث كذلك.
قوله سبحانه (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ(9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ [2] لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [3] (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)
ولم تكتف الآيات من الإشارات الكونية الدالة على عظيم قدرة الله سبحانه، وإنما ظل الإطناب ليزداد البرهان وضوحا وتأكيدا على البعث، فرسمت صورة حية لكيفية البعث في النباتات، فيحدث الإحياء من الموات، تلك المعجزة التي يقف أمامها الإنسان عاجزا غير قادر على أن يكتشف سرها غير أن يقر بوحدانية الله تعالى، فالماء النازل من السماء مباركا يجعله الله تعالى سببا في إنبات الجنات والحب الحصيد (فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ) ، ذلك الحب الذي يحصده الزراع وقت حصاده بشكل طبيعي دون أن يدركوا كيف نما وصار على هذه الصورة، (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) ، وكذا النخل الذي قد اشتد عوده وسوقه، (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ) ، فطال حيث طال دون انحناء أو ميل وقد طلع ثمره متراكبا في أكمامه بعضه فوق بعض (لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ) ، كيف خُلق على هذه الهيئة من تلك الحبة الصغيرة، وكل ذلك ليس إلا رزقا رزقه الله عباده (رِزْقًا لِّلْعِبَادِ) ، حتى أنك تعجب عندما ترى الأرض الجرداء تحولت بقدرة الله تعالى إلى جنات خضراء دون أن يلمسها أحد غير المطر، (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا) ، وهو ما يستشهد به المولى سبحانه على منطقية البعث بعد الموت، (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) ، فكما أحيى الأرض بعد موتها فإنه كذلك قادر على أن يحيي عباده بعد مواتهم.
يقول صاحب الظلال: (إن هذا الكون هو كتاب الحق المفتوح الذي يقرأ بكل لغة , ويدرك بكل وسيلة ; ويستطيع أن يطالعه الساذج ساكن الخيمة والكوخ , والمتحضر ساكن العمائر والقصور، كل يطالعه بقدر إدراكه واستعداده , فيجد فيه زادا من الحق , حين يطالعه بشعور التطلع إلى الحق، وهو قائم مفتوح في كل آن .... ) .
(1) رواه مسلم ج 4 ص 475 رقم 1525
(2) شداد بسوقها استقامتها في الطول - يراجع في ذلك كذلك معجم ألفاظ القرآن الكريم ج 1 ص 101، بسق بسوقا: طال
(3) قال القرطبي: نضيد: أي متراكب قد نضد بعضه على بعض وفي البخاري النضيد الكفري ما دام في أكمامه ومعناه منضود بعضه على بعض فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد