مسألة البعث التي لا تقارن في الصعوبة بمسألة خلق السماء، يقول المولى سبحانه و تعالى (ءأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا، وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا) [1] .
وكما أن خلق السماء عجيب فكذلك خلق الأرض من العجب بمكان أن يهز هذه القلوب ويشحذ تلك الأذهان حين يدعوهم المولى سبحانه لأن ينظروا في خلق الأرض كيف أنه مدها فجعلها بساطا ممهدا (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا) [2] ، وفراشا لجميع الكائنات تأوي في جنباتها وترزق من خيراتها، (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا) [3] .
ثم ها هي الجبال الشامخات تلك الرواسي التي جعلها الله تعالى سببا لاتزان قشرة الأرض أثناء دورانها حول محورها، فتستمر الحياة عليها في نظام محكم بديع، وانظر -كذلك- إلى تلك النبتة، كيف كانت حبة - في الظاهر - ميتة لا حراك لها، وبقدرة الله تعالى تصبح تلك النبتة ما تتزين به الأرض، من كل نوع من النبات حسن المظهر، أليست مسألة البعث هذه قريبة الشبة من عملية الإنبات تلك، بل إن العجب العجاب أن الناس ينبتون كما في الحديث المتقدم ذكره من عظمة أسفل الظهر (عجب الذنب) تلك العظمة التي لا تبلى و يركب منها الناس، فالمسألة التي يعجب منها الكفار ليست بعجيبة لأنها حادثة في عالم النبات فليس ببعيد أن تحدث - كذلك - في عالم الإنسان و سائر المخلوقات.
والمقصد من سرد هذه الآيات الدالة على قدرة الله تعالى هي تذكرة أهل الإيمان - وذلك كعادة القرآن - حيث يكون الخطاب الدعوى موجها لهم في المقام الأول، ثم يأتي بعد ذلك عناية الخطاب الدعوى بغيرهم من المكلفين، فإن لم ينتبه هؤلاء الكفار لتلك القدرة الإلهية العظيمة فأولى بالانتباه إليها والاتعاظ بها المؤمنون، يقول سبحانه (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) ، الذين تميزوا بصفتي العبودية لله وحده والإنابة إليه سبحانه، وهم من ذكرهم الله في قوله سبحانه (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ) ، حيث يكثر من الاسترجاع لله تعالى بقوله (إنا لله وإنا إليه راجعون) ، وإن كانت الاسترجاع يحصل في المصائب، كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله {إنا لله وإنا إليه راجعون} اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي
(1) {النازعات 27/ 29}
(2) {نوح/19}
(3) {البقرة/22}