ـ 4 -
في مدينة انطونيوبولس وأمام حديقة قصره الفاخر، المطل على الشاطئ الشرقي لنهر النيل الخالد، وقف الجنرال كريتياس حاكم إقليم منعت يتأمل النهر وقت الأصيل، وفد انعكست أشعة الشمس الذهبية على صفحة النهر فبدت المياه وكأنها نضار سائل يتماوج في حركة خفيفة متتابعة مع هبوب النسيم، يبتسم كريتياس في عفوية محدثا نفسه: ما أروع هذا النهر وما أعظم قيمته لسكان هذا الوادي، لعله من أهم أسباب نشوء الحضارة في هذا البلد الكريم العامر بالخيرات.
يختفي قرص الشمس وتتلون المياه باللون الأحمر، فيتجه ببصره إلى السماء ليرصد ظهور الشفق في صفحة الأفق، تتناهي إلى سمعه أصوات قادمة من جهة النهر، حفيف الأشجار، نقيق الضفادع، اصطفاق المجاديف، شقشقة العصافير وهي تطير في أسراب عائدة إلى أعشاشها، يتبعها أصوات غناء، يعود ببصره إلى صفحة الماء ويدقق النظر فيرى على البعد غلامين يقودان قاربهما، ويحركان مجدافيهما في مهارة فائقة وهما ينشدان الأغنيات والمواويل الشعبية البديعة التي طالما سمعها من أبناء الشعب خاصة في الأعياد والاحتفالات الرسمية.
يغني الأول بصوته الرخيم:
يا حابيً العظيم ْ - من فيضك العميمْ
تخضوضر الأزهار ْـ وتنضج الثمار ْ
ويرد الثاني مترنما:
يا صاحب العطاءْ - يا واهب النماءْ
بمائك الطهورْ - تنتشي الطيور ْ
ثم يصدحان معا:
نحن بناة الهرم ْ - وأرضنا مهد النعم ْ
فيها الأصالة والكرم ْـ وشعبنا خير الأممْ
بعد ذلك يمجدان النيل بدعوات أشبه بالصلوات:
(الحمد لك أيها النيل الذي ينبع من الأرض، والذي يأتي ليطعم مصر،
صاحب الطبيعة الخفية ...
الذي يرعى المراعي، والذي خلقه رع ليغذي كل الماشية.