الصفحة 12 من 51

والذي يعطي الشراب الأماكن المقفرة النائية عن الماء، ونداه هو الذي ينزل من السماء، محبوب جب، رب السمك والذي يجعل طيور الماء تذهب إلى أعالي النهر)

كان كريتياس يصغي لغناء ودعاء الغلامين في انبهار شديد، وظل يراقبهما حتى مضى القارب بعيدا و غاب عن عينيه، فعاد إلى حديقة قصره يمشي وئيدا. لم يشأ حراسه أن يقطعوا عليه خلوته، وكانوا يراقبونه عن بعد، فقد عرف عنه رغبته في الخلوة بنفسه، حيث يقف أو يجلس صامتا شاردا في حالة من التأمل وكأنه يؤدي عبادة أو مستغرق في تفكير عميق على عادة فلاسفة اليونان.

في فناء الحديقة اتخذ له مقعدا وثيرا، بين الأزاهير والرياحين، وتوالت الذكريات على ذهنه، يا إلآهي ما أروع هذه المدينة، لقد أحسن الأمبراطورهادريان صنعا حين اختار هذا الموقع لبناء هذي المدينة الجميلة التي لا تضاهيها جمالا وفخامة في تلك البلاد سوى مدينة الإسكندرية.

يمد يده ويقطف وردة حمراء، يستنشق عبيرها قليلا ثم يتابع ذكرياته، يبدو أن هادريان أرادها أن تنافس مدينة الإسكندر.

يتنهد ويلتفت يمينا ويسارا فيفهم الجميع أنه أفاق من شروده، فيقبل عليه مستشاره برديكاس قائلا:

ـ نعمت مساء سيدي الحاكم.

ـ تفضل أيها المستشار الحكيم.

ـ ماذا يشغل بال سيدي الحاكم؟ لقد ظننت أن هناك مشكلة تعكر صفوك.

ـ لاشيء يا برديكاس فقط تذكرت الأمبراطور هادريان الذي ابتنى هذه المدينة الرائعة، في هذا الموقع الساحر على ضفاف النيل.

ـ يؤكد المقربون من الأمبراطور أنه بناها تخليدا لذكرى غلامه انطونيوبولس الذي مات غرقا قبالة هذه المنطقة، أثناء رحلة نهرية قام بها الأمبراطور هادريان وبصحبته غلامه لتفقد آثار مصر العظيمة.

ـ نعم كل ذلك صحيح، ولذا أنشأ هذه المدينة وأطلق عليها اسم غلامه العزيز عليه وجعلها عاصمة للإقليم.

ـ أنت دائما تذكره بالخير وتثني عليه كثيرا كلما ذكرته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت