ومن هذا أيضًا قوله تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 16] [آل عمران: 15 - 16] ، فربما قطع بعض الأئمة عند نهاية الآية الخامسة عشرة لانتهاء الوجه دون أن يتفطن لشدة تعلق المعنى، وهو أن قوله (الذين يقولون) ليست استئنافًا، بل نعت للذين اتقوا، فالمعنى: للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار ... ، القائلين ربنا اغفر لنا ذنوبنا.
ومثله أيضًا قول الله سبحانه: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 45 - 46] ، فالآيتان متعلقتان ببعضهما كما لا يخفى.
ومثال الابتداء بما لا يؤدي معنى إلا بما بعده قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} الآية والتي بعدها [النساء: 23 - 24] ، فمن الأئمة من يقطع على آخر الآية الثالثة والعشرين، ثم يأتي من الغد فيبتدئ بقوله (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) ، ولو سُئِل: المحصنات من النساء ما شأنها؟! لاستحضر أنها معطوفة على المحرمات قبلها في الآية السابقة؛ وبهذا يعلم أنه لم يراعَ المعنى في وضع بدايات الأجزاء والأحزاب! فعلى الإمام أن ينتبه لذلك.
وفي مثل هذا الموضع يمكن الإمام أن يقف على آخر الآية الرابعة والعشرين، ثم يبتدئ بالآية التالية: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] .