فأما القسم الأول؛ فإن المشاهد من بعض الأئمة الالتزام بقطع القراءة عند نهاية الوجه والابتداء بما بعده من مصحف مجمع الملك فهد، أو ربما عند انتصاف الوجه عند من يخففون صلاة التراويح جدًّا، ونحو ذلك، بقطع النظر عن تعلق معنى الآية التي قطع القراءة عليها بما بعدها مهما كان التعلق شديدًا؛ وربما فَعَل ذلك من فَعَله؛ لأن فيه ضبطًا لعدّ ركعات الصلاة، وبخاصة من يقرأ عن ظهر قلب، وربما خَوْفَ تفاوت الركعات طولًا وقصرًا في الوقت، وخشية الإثقال على المصلين، إلى غير ذلك من الأسباب.
وفي حقيقة الأمر أن من الآيات ما يكون تعلقها ببعضها شديدًا، يقبح القطع على الأولى منهما والابتداء بما بعدها إطلاقًا، ومنها ما يكون التعلق بينها تعلقًا ظاهرًا إلا أن القطع على الأولى منهما لا يحيل المعنى، ومنها ما يكون القطع فيها قاطعًا لاتصال المعاني ببعضها، ويكون الاستئناف بما بعد ذلك لا يؤدي معنى إلا مع ما قبله، فهذا النوع الأخير ربما يعفى عنه بين الركعتين في اليوم الواحد، لكن لا يقبل أن يقف عليه القارئ في هذا اليوم، ثم يأتي من الغد يكمل ما وقف عليه بالأمس.
وفقه هذا الأمر يتطلب التفاتة إلى تدبر المعاني والسياقات، واتصال بعض الكلام ببعض، والتفريق بين ما يكون عطفًا وما يكون استئنافًا، ويستعين الإمام في معرفة ذلك بالله - تعالى - ثم بالرجوع إلى كتب التفسير، وتناسب الآيات، والإعراب، وسؤال المختصين في هذا المجال.
ومثال القطع على الآية المتعلقة بما بعدها تعلقًا ليس بشديد القطع على قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16] ، ثم الابتداء في الركعة التالية بقوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} ، فنلحظ أن هناك تعلقًا بين الآيتين، فقد تضمنت الثانية ضميرًا يعود على أولئك المنافقين الذين اشتروا الضلالة بالهدى، وهو يذكر هنا صفتهم، إلا أن في الآية الثانية بدْءَ ذكر صفتهم بضرب مثالين لهم، و (مَثَلُهُمْ) مبتدأ مرفوع كما لا يخفى.