أنه وصل الجميع لتبين المعنى، أو وقف عند (فريقًا هدى) ثم أكمل؛ لأن المعنى: وأضل فريقًا حق عليهم الضلالة.
ومثاله أيضًا أن يقرأ قوله عز وجل: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [الرعد: 14] ، فيقرأ هكذا: (له دعوة الحق والذين يدعون من دونه) فهذا يؤدي معنى مناقضا لمعنى الآية - تعالى الله عن ذلك -، فإما أن يصل (له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء ... ) ، أو أن يقف عند الجملة الأولى (له دعوة لحق) ، ثم يكمل، وفي المصحف قد وُضع عليه علامة الوقف.
ومثل ذلك قوله تعالى {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} [الأعراف: 58] ، فيقرؤها هكذا (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث) ، فهنا لو أخذ على ظاهر هذا الوقف لفهم أن الذي خبث يخرج نباته بإذن ربه كذلك، وهنا للإمام أن يقف عند (بإذن ربه) إذ قد تمت الجملة ثم يستأنف [1] ، وقد وضع عليها علامة وقف في المصحف.
وربما قيل: إن هذا لا يرد على الذهن؛ فمن المعلوم أن البلد الطيب ليس كالبلد الخبيث، فاستشكال هذا الوقف واستقباحه غير وراد، فيقال في الجواب عن ذلك: إن كتاب الله ينبغي أن يؤدى على الوجه الأكمل ما اسطاع القارئ إلى ذلك سبيلًا، وأن يصان عن كل ظن ووهم، وبلا شك أن الأكمل ألا يقف هذا الوقف.
ومن ذلك قول الله تعالى عن الشيطان الرجيم: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج: 4] ، فقد سمعت من يقرؤها هكذا: (كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه) ، وكيف يكون الشيطان مضلاًّ هاديًا؟! بل هو عدو مضل مبين، معاذ الله منه، فهو يضله، ويهديه إلى عذاب السعير، أما مطلق الهداية فإنها يفهم منها الهداية
(1) انظر: منار الهدى في بيان الوقف والابتدا للأشموني (1/ 269) .