الثاني: أن دلالته على أن مرور الحمار بين يدي المأموم لا يضر صلاته. وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم نقله الشوكاني [1] عن الحافظ بن عبدالبر أنه حكى ذلك. فالمأمومون يصلون إلى ستره باتفاق أهل العلم نقله الشوكاني أيضًا عن القاضي عياض. وذلك أن سترة الإمام سترة للمأموم. والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي إلى سترة كما يؤيده الوجه الآتي وهو:
الوجه الثالث - ثبت بإسناد صحيح عند أحمد [2] وابن خزيمة [3] أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى في هذه القضية إلى سترة من حديث ابن عباس نفسه وذلك بلفظ (( قال: ركزت العنزة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفات فصلى إليها والحمار يمر من وراء العنزة ) ).
الوجه الرابع - أن مراد بن عباس من قوله في بعض ألفاظ هذا الحديث (( يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار وليس شيء يستره ) )هو الاستدلال على تمكن الأتان من الدخول على المصلين. لعدم وجود حائل - كالجدار ونحوه - يمنع الحيوانات من الدخول. لهذا تراه قال - في بعض ألفاظه - (( ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه ) ). وفي لفظ (( يصلي بالناس في أرض خلاء ) )ومعلوم أن العنزة لا تحول بينهم وبينه.
فالمراد السترة التي تمنع الحيوانات لا سترة الصلاة. أما سترة الصلاة فأعم من ذلك تكون جدارًا وتكون أقل منه. وقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في هذه القضية إلى العنزة - كما علمت - والقضية واحدة لا متعددة لاتحاد مخرجها كما حقق ذلك الحافظ ابن حجر [4] فهي في حجة الوداع وفي منى. وأما لفظ (( عرفة ) )في بعض الروايات فشاذ قاله الحافظ أيضًا [5] . فيبعد كل البعد أن يثبت ابن عباس رضي الله عنهما ركز العنزة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه القضية - ثم ينفيها. وعلى هذا فالمنفي الجدار ونحوه المانع للحيوانات. لا سترة
(1) نيل الأوطار (3/ 17) .
(2) مسند الإمام أحمد (1/ 103) .
(3) صحيح ابن خزيمة (2/ 26) .
(4) فتح الباري (1/ 572) .
(5) فتح الباري (1/ 572) .