وأما لو علموا أنه لم يره أحد لم يكن أحد من الأمة يستجيز أن يصومه لكون الحساب قد دلَّ على أنه يطلع ولم ير مع ذلك، كما أن الجمهور جعلوا الحكم ممتدًّا إلى وقوع الرؤية لا إلى جوازها [1] .
الوجه الثاني:
قوله صلى الله عليه وسلم: (( فاقدروا له ) ).
قال النووي في توجيه الاستدلال به:"ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور السلف والخلف إلى أن معناه: قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا، قال أهل اللغة: يقال: قدرت الشيء أقدره وأقدره وقدرته بمعنى واحد وهو من التقدير [2] قال الخطابي: ومنه قوله تعالى: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [المرسلات: 23] ، واحتجَّ الجمهور بالروايات المذكورة، (( فأكملوا العدة ثلاثين ) )."
وهو تفسير فاقدروا له، ولهذا لم يَجتمعا في رواية بل تارة يذكر هذا وتارة يذكر هذا ويؤكده الرواية السابقة: (( فاقدروا له ثلاثين ) ) [3] قال المازري [4] : حمل جمهور الفقهاء قوله صلى الله عليه وسلم على أن المراد إكمال العدة ثلاثين كما فسَّره في حديث آخر، قالوا: ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين [5] .
هذا، وقد ذهب الحنابلة في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: (( فاقدروا له ) )إلى أن معناه: ضيقوا له العدد ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: 7] ؛ أي: ضُيِّق عليه، وقوله تعالى: {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الرعد: 26] ، والتضييق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يومًا، ولهذا أوجب الحنابلة في رواية صيام يوم الغيم وهو يوم الثلاثين من شعبان.
وذهب الطحاوي من الحنفية إلى أن الروايات التي صرَّحت بإكمال العدة ثلاثين ناسخة للتقدير الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم: (( فاقدروا له ) )، وأن معنى التقدير كان قبل
(1) - يراجع: مجموع الفتاوى؛ لابن تيمية (25 - 176، 177، 178) .
(2) - يراجع: في معنى (( اقدروا ) )لغة وأنه بمعنى التقدير، المصباح المنير (2 - 674) ، مختار الصحاح (ص: 523) .
(3) وردت هذه الرواية في صحيح مسلم 2 - 759 (4) .
(4) - يراجع: شجرة النور الزكية (ص: 127، 128) ، وفيات الأعيان 2 - 26، شذرات الذهب 11414، الديباج المذهب 2 - 250.
(5) - شرح النووي على صحيح مسلم 7 - 189.