المتأخرين من المتفقِّهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إن غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا، وهذا القول وإن كان مقيدًا بالإغمام ومختصًّا بالحاسب فهو شاذٌّ مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم" [1] ."
الدليل من المعقول:
1 -إن إثبات الهلال بالحاسب لا يجوز؛ لأنه حدس وتخمين [2] لا يفيد القطع ولا الظن الغالب [3] .
قال ابن تيمية: وأما العقل فأعلم أن المحققين من أهل الحساب كلهم متفقون على أنه لا يمكن ضبط الرؤية بحساب؛ بحيث يحكم بأنه يرى لا محالة، أو لا يرى ألبتَّة على وجه مطرد، وإنما قد يتفق ذلك أو لا يمكن بعض الأوقات، ولهذا كان المعنون بهذا الفن من الأمم الروم [4] والهند [5] والفرس والعرب، وغيرهم مثل بطلميوس [6] الذي هو مقدم هؤلاء ومن بعدهم قبل الإسلام وبعده لم ينسبوا إليه في الرؤية حرفًا واحدًا، ولا حده كما حدوا اجتماع القرصين، وإنما تكلم به قوم منهم في أبناء الإسلام؛ مثل: كوشيار الديلمي [7] ، وعليه وعلى مثله يعتمد من تكلم في الرؤية منهم، وقد أنكر ذلك عليه حُذَّاقهم، وقالوا: إنه تشوق بذلك عند المسلمين، وإلا فهذا لا يمكن ضبطه [8] .
(1) - مجموع الفتاوي لابن تيمية 25/ 32، 133.
(2) - جاء في القاموس المحيط 2/ 204، فصل الحاء، باب السين، الحدس: الظن والتخمين والتوهم في معاني الكلام والأمور.
(3) - فتح الباري 4/ 127، سبل السلام 2/ 559.
(4) - الروم جيل معروف في بلاد واسعة تُضاف إليهم فيقال: بلاد الروم، وقد اختلف في أصل تسميتهم على أقوال كثيرة منها: إنهم من ولد روم بن مساحيق بن هرينان بن علقان بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، وقيل غير ذلك، وأما حدود الروم فمشارقهم وشمالهم الترك والحرزورس وهم الروس، وجنوبهم الشام والإسكندرية، ومغاربهم البحر والأندلس؛ معجم البلدان 3/ 97 - 100.
(5) - بحثتُ عن ترجمة للهند في مظانها من كتاب مُعجم البلدان فلم أجد.
(6) - يراجع: تاريخ الحكماء لجمال الدين أبي الحسن علي بن يوسف القفطي (ص: 89) مكتبة المتنبي ببغداد، مؤسسة الخانجي بمصر.
(7) - يراجع: الأعلام 5/ 2336.
(8) - مجموع فتاوى ابن تيمية 25/ 183، 184.