ولذلك فإن مثل دعوة البيطار لهؤلاء الغلاة إلى التعايش لاقت إنكارًا صريحًا من بعض شيوخ الرافضة أنفسهم، وخرجوا من دائرة التقية والكتمان ليعلنوها صريحة على صفحات مجلة المنار التي يصدرها الشيخ رشيد رضا، فقال أحدهم [51] : «ودع عنك قول بعضهم: دعوا البحث فيما يتعلق بالدين والمذهب وهلم إلى التعاون على توحيد الكلمة وجمع الأمر قبالة المستعمر، فإن ذلك لغو من القول وخطل من الرأي، وكأنها مقالة من لا يرى الإسلام دينًا، ولا يرى أن هناك حياة أخرى خالدة غير هذه الحياة، وإنما يرى الإسلام رابطة قومية وجامعة سياسية فهو يدعو إليها ويحض عليها» [52] ، ثم ذكر أن الخلاف بين الفريقين هو في أرسى قواعد الإسلام وأقوى دعائمه، وأنه لابد من حسم ذلك بالبرهان، وإلا فإن التعاون بأي شكل من الأشكال متعذر، وإن حدث فهو مبني على المجاملة وغير مأمون العاقبة، بمعنى أن الغدر والخيانة هي عاقبته كما يعترف هذا الرافضي [53] ، وعقب الشيخ رشيد رضا على رأي الشيعي هذا بأن تاريخ الشيعة مع أهل السنة يؤيده؛ فهو تاريخ حافل بالغدر والخيانة وممالأة الأعداء ومناصرتهم ضد أهل السنة [54] . كما يشهد التاريخ والواقع بأن ما يصدر عن الرافضة في مناسباتهم ومآتمهم وحسينياتهم وعبر إعلامهم بمختلف وسائله من تعرضهم لمقدسات الأمة، ولعنهم لرموزها، وطعنهم في الكتاب والسنة، وتكفيرهم لخير أمة أخرجت للناس، كل ذلك وغيره مما يثير الفتن، ويكدر صفو التعايش.
فما دام الحوار قد لا يوصل إلى نتيجة بسبب انفصالهم عن الأمة في مصادر التلقي، ومعاملتهم للآخرين وفق طقوس التقية والكتمان، وما دام التعايش غير مأمون العواقب من جهتهم، ويكدرون صفوه بفتنتهم؛ لأنهم يعتقدون أن المخالف حلال الدم والمال، بل إن قتل المخالف عندهم وسيلة لدخول الجنان، فما السبيل إلى درء فتنتهم وكف شرهم؟