الصفحة 73 من 103

فلننظر الآن لما قبل الآية المستشهد بها، فقد جاء قبلها مباشرةً قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ} (القصص/4) ، ثم قال تعالى بعدها: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ } أي نريد أن نمن على هؤلاء الذين استضعفهم فرعون فكان يذبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم، {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} أي نجعل المستضعفين من بني إسرائيل أئمة ووارثين. وهذا التفسير البيِّن تتَّفق عليه تفاسير السنة والشيعة.

فإذا استشكل بعضهم وقال: إذا كان الأمر كذلك فلماذا استخدم الله تعالى صيغة المضارع بقوله {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ } ؟

قلنا في الإجابة: إنما استخدم الله تعالى المضارع ليبين أن المنّ على موسى والمستضعفين من بني إسرائيل بالتمكين في الأرض إنما سيكون بعد استضعاف فرعون لهم كما جاء في نص الآية التالية مباشرةً حيث قال سبحانه: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} (القصص/6) ، فهنا {نُمَكِّنَ} و { نُرِيَ} أيضًا بصيغة المضارع مع أن فرعون وهامان كانا قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقرون طويلة. إذن أتى الله تعالى بصيغة المضارع في قوله تعالى { نُرِيَ} ولم يقل «أرينا» لأجل أن يبين أن ما سيريه لفرعون وهامان وجنودهما من العذاب الذي يستحقونه سيكون بعد استضعاف بني إسرائيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت