الصفحة 6 من 298

2) «المعرفة الدينية» شأنها شأن سائر المعارف الأخرى معرفةٌ بشريَّةٌ، فهي حصيلة سعي العلماء وجهدهم في فهم الدين، وبما أن العلماء بشر فإن أوصافهم البشرية (مثل قوة العقل المحدودة، نقص العلم والفهم، إمكانية الخطأ، الرؤية أحادية الجانب و...) تنعكس على فهمهم للدين وتؤثر عليه وبالتالي فإن نتيجة سعيهم هذا، ستكون معرفةً بشريةً (أي معرفة ناقصة، غير خالصة، مشوبة بالخطأ، مليئة بالرؤى أحادية الجانب، وتحتاج على الدوام إلى إعادة بناء وإصلاح) . فما يُعرَف اليوم بالمعارف الدينية التي يقدمها العلماء والفقهاء إلى المجتمع (أي الآراء الفقهية والكلامية والتفسيرية و...) إنما هو حصيلة رجوعهم إلى النصوص الدينية وتفكيرهم وتأملهم العميق فيها، فلا يجوز اعتبارها معادلة للدين ذاته، ومساوية له. إن تلك الآراء هي في الواقع «فهم الدين» وليست «الدين» ذاته [1] .

3)على ضوء النقطتين السابقتين (فصل وتمييز «الدين» عن «المعرفة الدينية» ، وكون فهم العلماء للدين فهم بشري) يمكن الوصول إلى النتائج التالية:

أ- إن مخالفة أيَّ رأي فقهيٍّ أو كلاميٍّ أو تفسيريٍّ لا تُعَدُّ مخالفةً للدين بل هي مخالفةٌ لفهم الدين. يتوصل كل عالم من العلماء، من خلال مراجعته للنصوص الدينية، إلى فهمٍ معين لها ثم يبين هذا الفهم بقالب آراء فقهية وكلامية و.... فلا ينبغي أن نجعل أيًَّا من آرائه ونظرياته تلك معادلة للدين ذاته ولا أن نتصور أن معارضة أي من هذه النظريات بمثابة مخالفة الدين ذاته. مخالفة الدين إنما تكون عندما ينكر الإنسان نصوصه المقدسة (أي القرآن والسنة) لا عندما يختلف مع هذا الفهم أو تلك القراءة لتلك النصوص. وبعبارة أخرى إذا أنكر شخص حقية آية من القرآن واعتبرها خرافة فإنه بذلك ينفي الدين وينكره، أما إذا كان له فهم معين لتلك الآية يختلف فيه مع فهم آخرين لها فإن هذا لا يُعَدُّ بأي وجهٍ من الوجوه مخالفة للدين ذاته.

(1) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت