قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا أَبَا جَعْفَرٍ، كُنْتُ أَجْلِسُ مَعَ أَبِي عَلَى الْخِوَانِ فَيُلْقِمُنِي الْبَضْعَةَ السَّمِينَةَ، ويُبَرِّدُ لِيَ اللُّقْمَةَ الْحَارَّةَ حَتَّى تَبْرُدَ شَفَقَةً عَلَيَّ، وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَيَّ مِنْ حَرِّ النَّارِ إِذا أَخْبَرَكَ بِالدِّينِ وَلَمْ يُخْبِرْنِي بِهِ؟! فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ مِنْ شَفَقَتِهِ عَلَيْكَ مِنْ حَرِّ النَّارِ لَمْ يُخْبِرْكَ، خَافَ عَلَيْكَ أَنْ لا تَقْبَلَهُ فَتَدْخُلَ النَّارَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَا فَإِنْ قَبِلْتُ نَجَوْتُ، وَإِنْ لَمْ أَقْبَلْ لَمْ يُبَالِ أَنْ أَدْخُلَ النَّارَ. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ أَنْتُمْ أَفْضَلُ أَمِ الأنْبِيَاءُ؟ قَالَ: بَلِ الأَنْبِيَاءُ. قُلْتُ: يَقُولُ يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ: { يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا } [يوسف/5] . لِمَ لَمْ يُخْبِرْهُمْ حَتَّى كَانُوا لا يَكِيدُونَهُ؟ وَلَكِنْ كَتَمَهُمْ ذَلِكَ فَكَذَا أَبُوكَ كَتَمَكَ؛ لأَنَّهُ خَافَ عَلَيْكَ. قَالَ: فَقَالَ أَمَا واللَّهِ لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ لَقَدْ حَدَّثَنِي صَاحِبُكَ بِالْمَدِينَةِ أَنِّي أُقْتَلُ وأُصْلَبُ بِالْكُنَاسَةِ، وَإِنَّ عِنْدَهُ لَصَحِيفَةً فِيهَا قَتْلِي وَصَلْبِي. فَحَجَجْتُ فَحَدَّثْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ــ عليه السلام ــ بِمَقَالَةِ زَيْدٍ وَمَا قُلْتُ لَهُ فَقَالَ لِي: أَخَذْتَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَمِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ وَمِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ، وَلَمْ تَتْرُكْ لَهُ مَسْلَكًا يَسْلُكُهُ» [1] .
(1) - الكليني: أصول الكافي ـ 1/ 174 (كتاب الحجة ـ باب الاضطرار إلى الحجة ـ حديث رقم 5) .