الصفحة 13 من 149

وإننا إذا ضَمَمْنا ذلك الرأيَ إلى ما سبق في مرويات الشيعة من أن زُرارة كان يسأل الإمام الصادق عن أعمال السلاطين ليحمله على القول بالقدر؛ أمكننا أن نُقرر أنَّ الرجل كان قدريا في النظر إلى أفعال العباد، وقد أطبقت المعتزلة جميعا على أن الاستطاعة أو القدرة صالحة للضدين، وأنها قبل الفعل المُبْتَدَأ والمُتَوَلِّد، ونسبوا إلى الجبر كُلَّ من جعل الاستطاعة مقارنة للفعل، وقال البغداديون منهم بمثل ما نُسِبَ لِزُرارة من أن الاستطاعة هي السلامة وصحة الجوارح وتخليها من الآفات [1] ؛ ولذلك لم يخصه الأشعري بقول في ذكره اختلاف الروافض في أعمال الإنسان والحيوان؛ فدخل في عموم من نسبهم إلى القول بأقاويل المعتزلة من الإمامية في هذه المسألة [2] . وفي ظلال هذا الفهم يمكننا أن نقرر أنَّ الكتاب المذكور لزُرارة بن أعين: «الاستطاعة والجبر» كان إحدى المحاولات الكلامية المبكرة في رد مقولة الجبرية الذين لا يرون للإنسان مسؤلية فيما يجري على يديه من أفعال، ولا على لسانه من أقوال، ولا فيما يستقر في جَنَانِه من اعتقاد الكفر أو الإيمان.

(1) - راجع القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي: شرح الأصول الخمسة ـ (فصل في الاستطاعة) ص 390: 393، 396: 398، 410. وانظر الأشعري: مقالات ـ 1/ 299، 300.

(2) - راجع الأشعري: مقالات ـ 1/ 117، 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت